كتاب وأراء

صوفي

وددت لو رأيت جدتي «صوفي» في صباها، يوم كانت تُوصف كأجمل فتيات المنصورة، وفقا للمقاييس التي تُعلي من شأن الألوان في الهيئة، إذ كان والدها من أصل تركي.
قيل لى إنها، صبية، كانت تشبه مريم فخر الدين في فيلم «رد قلبي»، على أني حين وعيتُ عليها، كانت تشبهها، لكن في اللقاءات التليفزيونية.
فلدى مشاهدتي لأي من لقاءات حسناء السينما، إلا وتذكرت «صوفي»، نفْس الطول والطلة، ذات التجاعيد النبيلة، نفس درجة الصراحة غير الخاضعة لمونتاج.
يهيئ لك أنك ما إن تكبس على الزر، وستنطلق كل منهما في سرد تاريخ أفراد العائلة كله المشرف والغير.
كانت زيارتي لها شهرية، أما صيفاً، فكنت أقضي معها زمناً أطول، حيث استقرت بالإسكندرية عقب انفصالها عن جدي. وخلال تلك الزيارات، وجدتني أمام شخصية تتربع على عرش الكرم، لقد مارسته كهواية.
تذكر خالتي واقعة زيارة زوجة البواب لتخبرهم بأن ابنتها تزوجت أملاً في الحلاوة.
:«اقلعي العقد يا نجاة».
:«لا، ده ألماظ». :«قلت اقلعي العقد». لم تكن تكتفي بالعطاء للمحتاجين، بل كان يعنيها التواجد بينهم وتسعد بزيارتهم محملة بعربة ربع نقل عليها الهدايا. في فرح خالي كانت هديتها ماسية، علماً بأن صوفي كانت قد فقدت والديها دون الحصول على ميراثها، وكانت منفصلة عن جدي، ما يشي بأوضاعها المادية الحرجة، لكنها استمرت تتعاطى مع الجميع، وكأنها الإمبراطورة «فرح ديبا» قبيل التنحي وفقدان العرش والتاج. لدى نجاحي في الثانوية العامة، أعطتنى جنيهاً ذهبياً عليه صورة الملك فاروق مع ابتسامة أغلى من مليارات الذهب. كانت تدخل بيت أحدهم، فتفتح ثلاجته لتعرف ما ينقصه، فتخرج لتحمل لهم وتسدّ النقص. وأمام كرمها الأسطوري، واجهت «صوفي» حملات تشهيرية ممن يتعرّى بُخلهم أمام جُودها، فعوضاً عن منافستها في البذل، استسهلوا تسفيهها. كنا نحن الأحفاد بهجة حياتها وكنزها الذي لا تجود به على أحد، تنسى مشاكلها بين أحضاننا، مُرها وجمرها!
في بيتها العتيق على البحر، كنت أستمتع أنا بصاروخ هواء بارد، صيفاً وشتاءً. أجلس بالساعات، أطالع الأمواج والمارة وأشير -من بعيد- إلى جيرانا اليونانيين ويشيرون.
يا لها من سكاكر الذكريات. عادة، حال إشهار محبتنا لأحدهم، نقول :حضرتك في معزة والدتي لكنني لاحظت انحياز مشاعري لجدتي.
أحببت أمي، ولكن رحمانيتي كلها لصالح صوفي.
وما أجمل المصطلح اللاتيني «غراند مازر»، الأم الكبرى.
هذا التعبير يشرعن تفضيلي لجدتي، إذ يوضح أن جدتي ما هي إلا أمي الكبرى، فبالضرورة، تكون مشاعري حيالها مشاعرَ كبرى.
عُرف والدي بالشدة، لكني عرفته كاظماً لغيظهِ أمامها، وكنت أسعد حينما أجده يكتم البغضاء في قلبه جرّاء تصرفاتنا، وأتلذذ بعجزه عن معاقبتنا في حضرتها، وآهٍ لو نهرته أمامنا، لقد كان قلبي يقفز لو أغلظت عليه. على أنها كانت تدلل جميع أزواج بناتها وهي مبتدعة مقولة: «الزوج زبون، دائماً على حق». لم تعش صوفي دور سيدة الصالونات رغم إقامتها وسطهم، لكن لغتها كانت أميل للغة شعبية، تصرفاتها بسيطة، مسلكها أحمدي، وكانت مولعة بسرد قصص طفولتها وزواجها وحملها المستمر والسقط، وانفصالها وتنقلاتها بين شقق كلها بالإيجار، لكن «لوكس» على حد تعبيرها، منها عَرِفْت معنى الفراخ الشامورت، ومعها سمعت لأول مرة كلمة «كماريرا». لكم سخّرت نفسها لراحتنا، فكان مسموحاً لنا فتح الباب بأقدامنا واللعب وممارسة هواية الدعبسة في البيت. ولم نكن نخشى من تكسير أي أوانٍ ثمينة، لأننا صدقاً كنا أثمن ما لديها. كنا نعربد في البيت، فتقابلنا بالدلال، ولا نحسب حساباً لمجلس أمن العائلة.
في خريف عام 1993، رأى خالي أن الشمس قد غربت، وقد أفلت شمس «صوفي» وغربت عن عالمنا يوم 24 أكتوبر من العام نفسه.
في حياة كل منا صوفي، تمر من أمامنا كطيف شفاف، لطيف وموغلاً في الإنسانية، يُثري أرواحنا، ويعمّق من إنسانيتنا ويغيّر رؤيتنا للحياة.

داليا الحديدي