كتاب وأراء

الاستفاقة على الوضع في ليبيا

فجأة وإثر الزيارة غير المعلنة للرئيس التركي إلى تونس انطلقت المنصات الإعلامية العربية عامة والتونسية خاصة للتنديد بالزيارة وللخوض في أبعادها وخلفياتها وما وراءها وما تحتها. الزيارة كانت في إطار التطورات الجديدة التي تعرفها الساحة الليبية والصراع الدائر هناك بين الحكومة الشرعية في العاصمة طرابلس وبين المشروع الانقلابي في الشرق الليبي. حيث أبرمت أنقرة مؤخرا مع الحكومة الشرعية اتفاقية دفاع مشتركة كما قامت بترسيم الحدود البحرية بشكل يسمح للبلدين بتطوير علاقتهما المشتركة في كافة المجالات خاصة ما تعلق منها بمجال الدفاع، في الجانب الآخر من المشهد يصطف تحالف دولي إلى جانب المشروع الانقلابي حيث يساند الجنرال المتقاعد خليفة حفتر من أجل اتمام الانقلاب على ثورة فبراير واستعادة النظام الاستبدادي العسكري الذي كان يقوده العقيد القذافي.
خلال كامل السنوات التسع المنقضية لم تهتم النخب الإعلامية العربية كثيرا بالمشهد الليبي رغم كل الجرائم التي نفذتها المليشيات المتحالفة المعبرة عن المشروع الانقلابي، فلم تدافع عن مبدأ الشرعية ولا عن الانتخابات ولا عن الدستور ولا عن حق الشعب الليبي في سلطة مدنية بل آثرت الصمت المتواطئ مع المشروع الانقلابي.
فجأة وتزامنا مع زيارة الرئيس التركي اكتشفت هذه النخب الحالة الليبية. النخب التونسية لمن لا يعرفها هي نخب المدينة وأساسا العاصمة وهي بهاته الخاصية نخب الحضرية تتجه شمالا في بوصلة وعيها وتصورها للعالم. النخب التونسية في الغالب الأعم كانت باستثناء قلة قليلة مناصرة للاستبداد وجزءا أصيلا من ثقافته ووعيه استعملها بن علي ومن قبله الوكيل الاستعماري بورقيبة لتدجين شعبه وتجميل وجه الاستبداد. هي نخب تتميز بعداء شديد لهوية الأمة وخاصة ما تعلق منها بالهوية العربية الإسلامية التي تعتبرها نقيضا للتمدن والتحضر الذي تمثله هي بمقولاتها الغربية بشكل حصري.
ليبيا في مخيال النخب التونسية هي امتدادا للجنوب المهمش الذي كان النظام الاستعماري يصنّفه بكونه هباءات بشرية لأنه كان معقل مقاومة الاحتلال العسكري الفرنسي. لم يغادر الاستعمار الفرنسي أرض افريقيا إلا بعد أن رسخ فيها أركان سلطته وأدواته الثقافية كما ترك نخبا مرتبطة به وبمنوالاته الفكرية ومصالحه الاقتصادية.
بناء على ما تقدم فإن تنديد النخب التونسية بالحضور التركي في تونس وفي الجارة ليبيا هو في الحقيقة تعبير عن موقف الدول المتضررة من هذا الحضور، مهددا لمصالح القوى الأوروبية التي تعتبر منطقة المغرب العربي حديقة خلفية لها.
بقلم: محمد هنيد

محمد هنيد