كتاب وأراء

ما أصعب الولاء للقناعات

داليا الحديدي
كاتبة مصرية
أكبر فشل يمكن للمرء الوقوع فيه في الحياة هو أن يعيش كل لحظة في عمره محققاً أهداف غيره لا أهدافه، وفقاً لقناعات الآخرين لا قناعاته هو، وأن ينتقي خيارات الآخرين لا خياراته هو، فيكون مسخاً لحياة محيطه.
- الوصفة الوحيدة لاستمرار الزواج هي أرطال من الصبر.. حتى القبر.
- ملخص «وصفة هدر العمر» هو في الالتحام بهواتفك والانغماس مع برامج وألعاب جوالك، والالتحاف بحاسوبك، مع الوجود في شتى وسائل التواصل الاجتماعي، ولتطالع قديم شاشتك، وجديد فضائياتك، ولتهرع لفتح أبوابك للطوارق، ولتفرط في المجاملات بوقتك إفراطاً، ولتستوقفك التفاهات، ولتدمن الثرثرة، ولا يفوتنك المجازفة بمراسلة المسابقات للمقامرة بمالك لتحقق شهوة الربح، ولتتداوَى بالمنبهات، ولتتحقق بالأراجيل.
- سر «للعبقرية» يكمن في الثقة في عقل أكرمك الله به، والاستناد لقلب كترمومتر يقيس لك ظروفك فيتقلبَ، مع استخدام سائر الجوارح عمداً، ولتتكسب من إخفاقاتك، واحرص على مصاحبة العزلة، ومغازلة الإصرار، ومخادنة الصبر، واعشق التجارب، واخطب المحاولات، ولتتزوج من خارج الصندوق، ولتنجب الحداثة، ولتعقم المحاكاة، ولتطلق العادات، ولتخلعن عنك ميراث التقاليد البالية.
-لا أدري هل كثر هم أم قلة من يعيشون في البيت كحكام وفي الشارع كمعارضة.. فقد قام أرباب البيوت بتأنيث رعيتهم داخل المنزل.. فأنّثت حكوماتنا الشارع العربي بأسره.. فبيوتنا العربية حافلة بقوانين الطوارئ.. والحل يبدأ من داخل الدار.. لأن الحكومات الذكورية لم تأت سوى من أرحام البيوت التستورونية.
-داهم وقتك من آن لآخر قبل أن يداهمك، وحاول أن تتشل كَم لحظَة حلوة من الحياة، قَبلما ينتهي الوَقت.. عفوا قبل أن ينتهي العمر..
-هناك من يتعامل مع مشاعر البشر كبضائع موسمية.. أنيقة في بداية الموسم، مملة بعد ارتدائها ومركونة في زاوية النفايات في آخر الموسم! فتجد تعاملهم في أول لقاء أمام الناس مناقضا تماما لو كان ثاني أو عاشر لقاء.. وهؤلاء يجدون لذة قصوى في التهميش العلني.. ويتفاخرن بقولهم: أتاني ومد يده وتجاهلته.. اتصل ولم أرد..
يستحقون نوبل أسافل البشر.
-ليتك تفطن لحتمية تحديث قياسات عقول من حولك وليتك تتفهم تبعية تلك التحديثات على تغيرهم لآرائهم وفقا لقناعتهم المستحدثة.. فالمواقف تتغير وتتباين وفقا للضرورة والصيرورة والزمن، تمامًا كما ننساق لتغيرات قياسات أجسادنا.
- من يخلط بين بواعثه ومقاصده كمن يقيم صلاته بلا نية.. فقد أقام الصلاة، لكنه نسي أعصر هي، أم مغرب، أم عشاء!
-نحن بالسليقة نميل للتماثل مع المحيطين، نقتبس مشاعر الآخرين، نحاكيهم، غضبوا.. نثور، ضحكوا.. نقهقه، تثاءبوا.. ننام، وإن أجرموا نتفاكه بالإثم ونحلله خشية الإقصاء.. فبداهةً يعمل العقل، فيبصر الصواب جليّاً، ولكن حال اتفاق الجمهور على الخطأ، يصعب الاختلاف، فنرمم أخلاقنا وخلقتنا تشبهاً بالنموذج المعتل لقبوله في أوساطنا، بل ومن الممكن أن نلبسه مسوح الحكمة وعباءة الدين.
فالموروثات، كما أفاد الرجل، تعد مؤثرات عتية تُعرقل تحررنا الفكري والشعوري؛ ما يدفعنا لخيانة قناعاتنا، لإثبات أن انسجامنا مع الأكثرية يضاهي الهارومني الحديث، بين موسيقى البلوز والموسيقى العربية.
فقط الباحث عن الحق يعي دور إعمال العقل، ويدرك تأكيد ديننا على مسئوليتنا في انتخاب خيارتنا، فالأبائية والمصالح والجمهور لن يُعضدونا كحجج ولن يُقبَلوا كمعاذير نُلقيها أمام الله كما.. فما أصعب الولاء للقناعات.

داليا الحديدي