كتاب وأراء

شـهـر الـقـرآن وحال الأمة

في شهر القرآن، الذي دخلنا العشرة الأواخر منه، نحتاج إلى تذكير بحقائق هذا الدستور الخالد الذي لا صلاح لديننا ودنيانا إلا به، خصوصاً بعد أن تداعت علينا الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها وأصابتنا سهام النقد والتهجم والجهل من كل حدب وصوب.
هناك أهداف كبرى أرسى كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفها منهجها وقواعدها، وفي المقدمة من قائمة هذه الأهداف والمقاصد الإسلامية العليا تأتي عملية الإصلاح بمفهومه الشامل، وليس فقط المفهوم السياسي الذي أصبح الذهن ينصرف إليه عند ذكر كلمة الإصلاح، وكأنه لا إصلاح إلا في السياسة وبالسياسة، ولأن منزل الكتاب هو خالق الإنسان فإنه يعلم سبحانه وتعالى طبيعة البشر الذين هم صنعته، ويعرف ما يلائم تكوينهم وتفكيرهم، لذلك جاء منهج الإصلاح في كتاب الله وسطيا ومتدرجا سواء في توقيت نزول الحكم الإصلاحي أو في مراحل تطبيق الحكم، فمثلا عندما أراد الحق سبحانه وتعالى تحريم الربا لم ينزل آية التحريم إلا في السنة التاسعة من الهجرة أي بعد أن تأهل الواقع وتأهلت الأمة لهذا الحكم.
وكذلك كان المنهج مع تحريم الخمر حيث تم على ثلاث مراحل، بدأت بالذم «يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما» ثم جاءت المرحلة الثانية وهي مرحلة التحذير والتحريم الجزئي، وذلك بقوله تعالى «يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون». ولما تهيأ المسلمون واستعدوا وتدربوا على الاقلاع النهائي عن هذا المنكر المرذول نزل حينها الحكم القاطع بالتحريم بقوله تعالى «يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه».
إنها حكمة إلهية يريد ربنا أن يعلمنا إياها من خلال كتابه الكريم أنه عند الأخذ بيد الناس نحو الصلاح والإصلاح لابد أن تراعي ظروفهم وواقعهم ولا تصدمهم بقسوة حتى لا يكون رد الفعل الرافض لكل جديد بنفس القوة والقسوة وهو ما وعاه خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبدالعزيز حينما تعجل ولده عبدالملك الإصلاح قائلا «يا أبت ما لي أراك لا تنفذ الأمور فوالله لا أبالي إن غلت بي وبك القدور»، فرد حفيد الفاروق على ولده قائلا «لا تعجل يا بني فإن الله ذمّ الخمر في القرآن الكريم مرتين وحرمها في الثالثة وإني أخاف أن أحمل الناس على الحق جملة فيردوه جملة وتكون فتنة».
إن أول من يحتاج إلى فهم القرآن، هم أمة القرآن، فالمسلمون لم يكتفوا إلا من رحم ربي، لهجر كتاب الله، وإنما تمسك كثير منهم بفهم، لا يستقيم مع مقاصد الشارع الحكيم، ولا يتسق مع ما يهدف إليه القرآن الكريم، من أحكام وتعاليم، وضوابط لسلوك الفرد والجماعة، وكامل حركة المجتمع.
بقلم : محمود عيسى

محمود عيسى