كتاب وأراء

أزمة الديمقراطية الفرنسية

شهد الأسبوع الماضي موجة جديدة من احتجاجات السترات الصفراء بالعاصمة الفرنسية باريس وهي تحتفل هذه المرة بمرور عام كامل على انطلاقتها التي أثرت بعمق على المشهد السياسي والاجتماعي في فرنسا، لكن اللافت والصادم في هذه الاحتجاجات هو ما انطوت عليه من عنف وعنف مضاد أعاد إلى الأذهان فترات مظلمة في تاريخ المشهد السياسي الفرنسي.
كان القمع البوليسي للمتظاهرين السلميين كما وثقته آلات التصوير صادما لكل الملاحظين المحليين والدوليين لكن الصدمة الأكبر كانت من نصيب المواطن الفرنسي الذي كان يعتقد أن هذه المشاهد لا تعنيه وأنها تخص بشكل أساسي مجتمعات العالم الثالث، فقد أثبتت التظاهرات والمواجهات الدامية عكس ما استقر في الوعي الجمعي الفرنسي بأن العنف الأمني وقمع الدولة لحرية التظاهر والتعبير تقتصر على الأنظمة الاستبدادية والدكتاتوريات العسكرية.
لم تكن مطالب المتظاهر الفرنسي متعلقة بالمنشود السياسي بل كانت أساسا مطالب اقتصادية واجتماعية تتعلق بالقدرة الشرائية للمواطن وهي التي عرفت خلال السنوات الأخيرة انهيارا كبيرا. كما أن جملة الاصلاحات الاقتصادية والجبائية التي نفذتها الدولة كانت منحازة للفائدة الطبقات الميسورة وضاعفت من معاناة الطبقات المتوسطة والفقيرة.
أمام انفجار الشارع الفرنسي عمد الإعلام الرسمي إلى مختلف طرق التضليل لتشويه مطالب الحراك باعتبار المتظاهرين جملة من المخربين والمنحرفين الذين يهددون أمن البلاد والعباد. في مرحلة موالية استعانت النخب الإعلامية الفرنسية بالملف الأقرب إلى قلوب اليمين المتطرف وهو الممثل في المهاجرين المسلمين باعتبارهم قضية أولى بالمعاينة والاهتمام من كل القضايا التي تعصف بالمجتمع.
لكن الثابت الأكيد هو أن المطالب الاجتماعية الفرنسية لن تسكن وإن سكنت فإنها ستعود حتما إلى الواجهة بأكثر حدة ما لم تعمل الحكومة على معالجة الجذور الحقيقية للأزمة وتنصت إلى مطالب المحتجين. أما الأهم من ذلك فيتعلق بالعنف الذي مارسته السلطات على المحتجين والتعتيم الإعلامي الذي عالجت به أزمة محلية ذات جذور ومطالب اجتماعية مستحَقة.
اليوم يتساءل كثيرون عن الأسباب الكامنة وراء هذا العنف غير المبرر أمام مطالب اجتماعية مستحقة.
بقلم: محمد هنيد

محمد هنيد