كتاب وأراء

موعد الثامنة صباحًا

البداية:

«إن إلى ربك الرجعى»

متن:

عادت.. لكنها هذه المرة.. أطالت الغياب

عادت أكثر وقارًا وهدوءًا

عادت آلام العين التي تعرفني وأعرفها منذ أُصبت بهذا المرض وأنا ابن التاسعة،

تشخيصها صعب وعلاجها نادر وشفاؤها مؤقت،

آلامها لا تُحتمل لطفل لا يزال يتلّمس الأشياء ليعرفها

سايرتها حتى اعتدتها.. ما عادت مؤلمة

تجاوزتها وأصبحت أعلم متى تأتي

حتى أني في أحيان كثيرة أستعد لصداعها.. ولا أكترث

كان عمّي يوبخني عند جلسات العلاج ووجعها

كان يقول إن الرجال لا يبكون

وكنت أخجل من ذلك

وخز الإبر في جفن العين أرهق ذاك الطفل ففضل البكاء بصمت حتى لا يضحك عليه أحد

وكان ذلك..

موعد الثامنة صباحًا

أهم بالخروج من العيادة

بعد خضوعي للعلاج الذي من المُفترض أنه مؤلم

ولكن تكرار الشيء يُحتّم اعتياده

وعند الباب لمحته..

طفل بالعاشرة من عمره

فهمت أنه يستعد للدخول لذات العيادة

ليخضع لذات العلاج

ويتحمل ذات الألم

هذا كثير.. لكنه قضاء الله وقدره وعلينا الإقرار به،

مددت يدي له وصافحته

استلطفني وابتسم

أخبرته ألا يبكي.. فالأبطال وحدهم من يتحملون،

وقصصت له بعض الحكايا..

عن شجاعتي عندما كنت في عمره

عن حرماني من أشياء كثيرة كنت أحبها

السباحة مثلًا

ولعب كرة القدم أيضًا

بالإضافة لمشاهدة برنامجي المفضل

فعيني المرهقة تحتاج للراحة.. لا ينبغي أن أُجهدها

وكانت جدتي تراقب كل ذلك.. وتتحكم به

لكني عوضتها بالرسم

والخط.. والكتابة.. وهوايات أُخرى قد تكون مُملة لطفل بذاك العمر لكن هذا الموجود وحاولت جاهدًا الاستمتاع به.

أخبرته أن القدر قادني لأصبح كاتبًا..

أزن الكلمات وأعزف إيقاعها.. وغالبًا أنجح في ذلك

وجلست معه وكأننا صديقان التقيا بعدما فرقتهما الظروف وجمعتهما صدفة الحدث..

وباستعجال قاطعتني الممرضة..

حان موعد العلاج..

كلانا مضى

أحدنا للعيادة والآخر لخارجها.. وانتهى المشهد

خسارة..

نظرته الحائرة كانت تتجاوز كلماتي وكأنها تعلم أن الواقع ليس كما ذكرت..

تألمت لأني لم أقل له الحقيقة كاملة

لا أريد له أن يعيش بأوهام عشتها

لا أحب أن يرسم لوحاته بالفراغ فلا تترك أثرًا ولا بهجة

وبذات الوقت.. لم أكن لأجهض أمنياته وتطلعاته للمستقبل

يكفيه ما سيُلاقيه بعد دقائق.. ولكن!

حسنًا..

ستكبر وتعرف..

أن حتى خياراتك الوظيفية ليست كاملة..

عليك ألا تُحب أن تكون ضابطًا.. فنظرك أقصر من بلوغ ذلك

وعليك إقصاء فكرة أن تكون طيارًا.. فعينك أضعف من التحليق لذلك

وعليك نسيان الرياضات الجماعية حتى لا يُصيبك أحد..

ولا تحزن..

فلا يحرمك الله شيئًا إلا عوضك بما هو خير

ليكن هذا يقينك

ومع الوقت يا صديقي

ستمضي بالحياة وتعرف

أن وضوح الرؤية يجعلك ترى قُبح الأشياء التي لا ينبغي لك أن تكرهها

وستتواضع أحلامك ويهبط سقفها

وتُدرك أن القدر إن عاندك لا يجدي معه البكاء

ستفرح مرة وتحزن مرات

فصداع جدار العين سيُقصي خيارات كثيرة في قائمة التفضيل لتضعها بسطر التهميش

ومع الوقت ستنساها

لكن أرجوك.. لا تنسَ أن تعيش

لا تنسَ أن تسعد بكل الأشياء من حولك

هناك متسع لنبدع بمجال آخر حتى وإن لم نكن نحبه،

أحببت أن أكون طبيبًا فأصبحت محاميًا

وأردت أن أكون رسامًا فصرت كاتبًا

وسايرت القدر ومضيت.. وأحببت ما أنا فيه

ليس خنوعا واستسلاما

لكنها قسمتنا بالحياة

وعلينا اليقين أنه خير

وفي ختام الوداع:

أرجوك.. تذكر أن الأبطال وحدهم لا يبكون.

إضاءة:

«وفي طريق أحلامك.. لا تنسَ أن تعيش الواقع»

آخر السطر:

بتعيش يا فهيد وبتدري إن ما كل مسعى له دروب.

بقلم : دويع العجمي

دويع العجمي