كتاب وأراء

نفط لبنان وانطلاق الأطماع الإسرائيلية


عاد موضوع استمرار لبنان في إهمال حقه في العمل على البدء بعملية استخراج ثروته النفطية والغازية في المياه الإقليمية اللبنانية إلى الصدارة مجددا رغم الأزمات المتعددة العاصفة بالبلاد والتي تشغل الطبقة السياسية بعيدا عن أعطاء الأولوية لهذا الملف الحيوي والحساس بالنسبة لجميع اللبنانيين والذي يجب أن يكون بعيدا عن التجاذبات السياسية لما له من انعكاسات إيجابية هامة على صعيد حل مشكلات لبنان المالية والاقتصادية، وخصوصا التخلص من الدين العام المتراكم والذي تستنزف فوائده المتزايدة الخزينة العامة وترهق اللبنانيين جميعا.
لكن السؤال ما هي العوامل التي جعلت هذا الملف يعود إلى احتلال مركز الاهتمام في هذا التوقيت في هذا السياق هناك ثلاثة عوامل:
العامل الأول: ارتفاع منسوب القلق اللبناني من اقتراب خطر إقدام إسرائيل على الاستفادة من تراخي لبنان في البدء بعملية استغلال ثروته النفطية والغازية، وقيامها بسرقة هذه الثروة مع البدء باستخراج النفط من الحقول الموجودة في المياه الإقليمية لفلسطين المحتلة عام 2017، حيث تفيد المعطيات الفنية إلى أن هذه الحقول ملاصقة لبعض الحقول اللبنانية مما يمكن إسرائيل من القيام بسحب الغاز اللبناني من دون أن يشعر احد بذلك طالما أن لبنان غائب عن حماية ثروته عبر الشروع في استغلالها وعدم ترك الملعب خاليا لإسرائيل.وفي هذا السياق دق رئيس مجلس النواب نبيه بري ناقوس الخطر قائلا: لقد تبيّن عبر دراسة مرفقة بخرائط وجود مكامن نفطية مشتركة مع إسرائيل، وتحديدا في البلوكين رقم 8 و9 اللذين يقعان في بحر الجنوب، ما يستدعي منا التحرك العاجل للخروج من دوامة الانتظار، والإسراع في استكمال الإجراءات العملانية لحماية ثروتنا النفطية والغازية، وتفعيل آلية استخراجها المعلّقة. وأوضح بري أنه بات ملحّاً وضع المرسومين النفطيين على جدول أعمال مجلس الوزراء فورا، والبت بهما، ومن أراد أن يعارضهما فليعارض ولننته من هذه المسألة التي طالت كثيرا، معتبرا أن الوقت حان لتظهر المواقف والنيات على حقيقتها.
العامل الثاني: تحذير النائب وليد جنبلاط من «أن التأخير الحاصل في استثمار ثروتنا النفطية يرقى إلى مستوى الجريمة الموصوفة، وأن الاستمرار في هدر الوقت والفرص، بالتزامن مع الزيادة المتواصلة في الدين العام وخدمته، قد يدفع في لحظة ما نحو إلزامنا بتقليص نسبة استفادتنا من هذه الثروة»، مبديا خشيته من أن تغدو حصة لبنان ضئيلة تحت ضغط الأمر الواقع في مقابل حصة واسعة جدا للشركات الدولية التي ستتولى التنقيب والاستخراج. وأضاف: «كأن المقصود من كل هذا التسويف إيصالنا إلى حالة إفلاس، لتسهيل فرض هذه المعادلة غير المتوازنة علينا».
العامل الثالث: حصول تطور في الموقف الأميركي تمثل في تقديم واشنطن اقتراحا بالعمل على التوسط بين لبنان وإسرائيل لإيجاد تسوية للخلاف على الحدود في المياه الإقليمية بين لبنان وفلسطين المحتلة، وهذا الاقتراح ابلغه مؤخرا مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الطاقة والنفط والغاز آموس هولشـتاين إلى الرئيس نبيه بري خلال استقبال الأخير له في بيروت
وترافق هذا التطور مع تسلّم هيئة إدارة النفط في لبنان تقارير تتحدث عن تقديرات جيولوجية أميركية بأن المكامن المشتركة بين لبنان وإسرائيل محصورة بـ «البلوك 9»، وهو الواقع في الجنوب بين «البلوكين» الثامن المشترك مع إسرائيل وقبرص (أساس النقطتين الخلافيتين وهما 1 و23) والعاشر المتصل بالشاطئ الجنوبي.
كما ترافق مع إعلان رئيس الحكومة اللبنانية تمام سلام بأنه ليس هناك مشكلة تقنية، وإنما المشكلة لاتزال بعدم توافر الغطاء السياسي الضروري.
هذه العوامل المذكورة آنفا تؤشر إلى بداية تلمس أطراف أساسية في السلطة اللبنانية للانعكاسات الخطيرة الناتجة عن عدم مسارعة لبنان للشروع بإصدار الحكومة للمراسيم التطبيقية لتلزيم الشركات عمليات استثمار الثروة النفطية والغازية،وهو ما يوفر مناخات جيدة لصالح إخراج هذا الملف من دائرة التجاذب السياسي والإهمال ووضعه على سكة التنفيذ خصوصا وأن هيئة قطاع النفط قد شكلت واعدت الدراسات اللازمة.
كما أن الموقف الأميركي، الذي كان عبر القوى الموالية له يعيق التقدم بهذا الملف، أيضا أصبح يضغط باتجاه أن يبدأ لبنان استثمار ثرواته وهذا يعكس بالطبع وجود مصلحة للشركات الأميركية بعد أن تبين لها أن هناك كميات كبيرة من مخزونات النفط والغاز في البلوكات اللبنانية.
وهذا يعني انه لم يبق احد له مصلحة بعدم إقدام لبنان على استغلال ثروته سوى إسرائيل التي تريد ذلك لسببين:
السبب الأول: كي تتمكن من سرقة اكبر قدر من ثروات لبنان.
السبب الثاني: منع لبنان من الاستفادة من ثروته لحل مشكلاته كي يبقى يرزح في الأزمة، وكذلك الحيلولة دون دخول لبنان سوق منافستها في بيع النفط والغاز.
غير أن قدرة إسرائيل على العرقلة ستكون ضعيفة في حالة انتفاء التجاذب اللبناني حول ملف النفط، وتغير الموقف الأميركي لمصلحة دفع لبنان للبدء بورشة الاستفادة من ثروته.
وبهذا المعنى فان الكرة اليوم باتت في ملعب الحكومة اللبنانية.
بقلم : حسين عطوي

حسين عطوي