كتاب وأراء

أميركا مسؤولة بسياساتها عن انتشار الإرهاب

كلما تعرضت الولايات المتحدة لأحد الأعمال الإرهابية سادت حالة من الإنكار والتنصل من المسؤولية عما جرى والتأكيد على أن جرثومة العمل مولودة في الخارج ولا علاقة لها بالواقع الأميركي، بما يعنى أنها ضحية كغيرها من الضحايا ولا تتحمل أية مسؤولية في انتشار الظاهرة الإرهابية التي أصبحت خطرا داهما على الجميع. وإن دل هذا الإنكار على شيء فإنما يدل على الارتباك والتخبط الذي تعيشه الولايات المتحدة في صياغة سياستها الخارجية وتحديدا مع العالمين العربي والإسلامي.
لقد شعر الأميركيون بصدمة شديدة مرتين خلال ستة شهور تقريبا، واحدة عندما وقع حادث بشع في كاليفورنيا أقصى الغرب الأميركي أواخر العام الماضي، والثانية منذ أيام في فلوريدا أقصى الشرق وكانت أكثر بشاعة. وكلاهما وصفته السلطات بأنه عمل إرهابي. ترامب المعروف عنه عنصريته وكراهيته للأقليات ومنهم المسلمون الأميركيون هلل سريعا لما وقع في فلوريدا وقال إن من نفذ حادث فلوريدا مولود حقا في الولايات المتحدة ولكن جرثومة الفكرة، يقصد الفكر الإرهابي، مولودة في الخارج، في إشارة ضمنية إلى أن الرجل أفغاني الأصل أي ينتمي للعالم الإسلامي. وهيلاري كلينتون راحت تطلق الاتهامات على عواهنها لما أسمته بالدول والجماعات التي تمول النشاط الإرهابي في العالم.
كلاهما كان يعبر عن توجه عام داخل الولايات المتحدة سواء على مستوى المسؤولين أو الخبراء في مراكز البحوث الشهيرة هناك، مؤداه أن الإرهاب لا يمكن أن يكون نبتا للبيئة الأميركية المعاصرة بأي حال من الأحوال، إنها منظومة محصنة من الظاهرة.
تناقض التقديرات لا مبرر له، والإنكار لا يعدو أن يكون لونا من المكابرة في محاولة لصون ماء الوجه ليس إلا. ولكن الأكثر أهمية في المشهد برمته هو مسألة التنصل من المسؤولية عن انتشار الإرهاب إلى هذا الحد المخيف. هنا نسترجع قراءة أوباما نفسه للمشهد الراهن وقد أصبح على بعد خطوات من مغادرة البيت الأبيض. ففي تقرير لمجلة أتلانتك، يقول محاوره إن أوباما يرى أن عددا كبيرا من العرب المسلمين على وجه الخصوص سلموا أنفسهم إلى الكراهية والعنف.. المشاكل الأساسية التي يعانى منها العالم الإسلامي عميقة للغاية، ومقاومة للتدخل الأميركي بشكل لا يضمن تنفيذ السياسات التي يطالب بها المنتقدون في مراكز أبحاث السياسة الخارجية.. هناك خلل في الدول الإسلامية وعدم قدرة المجتمع المسلم في جميع أنحاء العالم على الاحتواء مما يؤدى في نهاية المطاف إلى ذوبان العناصر المتطرفة في وسطه ويشل حركته. «وأما عن ذكرياته عن خطاب جامعة القاهرة فينقل المحاور عن أوباما قوله.. كنت أرغب في أن أقول دعونا جميعا نتوقف عن التظاهر بأن سبب المشاكل في الشرق الأوسط هو إسرائيل.
هذا التقويم السيئ للأوضاع العربية والإسلامية من جانب أوباما دليل قاطع على خطأ السياسات التي اتبعتها إدارته على مدى 8 سنوات. ما صنع الكراهية والعنف هو التدخل الأميركي في أفغانستان ثم تدمير العراق ثم التردد والارتباك في مواجهة الموقف في سوريا وليبيا ومصر (بلدان الثورات العربية).. وإسرائيل هي مصدر المشاكل فعلا وليست مجرد عذر كما يقول، وإلا ماذا فعل هو معها على مدى 8 سنوات سوى ترسيخ الاحتلال وتدمير عزة أكثر من مرة، ومن الغريب أن يقر بأن مشاكل المنطقة عميقة وكأنه يكتشف أمرا جللا وبلاده على علم بها منذ مئات السنين وليس اليوم، وعندما تدخلت في شؤونها زادت المعقد تعقيدا. ثم جاء الاتفاق مع إيران ليزيد من اشتعال الموقف. والأسوأ من كل ما سبق هو اعتقاده بأن مجتمعاتنا غير ديمقراطية لأنها مسلمة. والعودة لنفس الاتهام ترفع سقف الكراهية كان الأجدر به أن يقر بخطأ سياسات بلاده وبأن هذه السياسات كانت جانبا من العوامل التي جعلت ظاهرة الإرهاب تتفشى على النحو الراهن.

عبدالعاطي محمد