كتاب وأراء

بيتنا القديم

البداية:

«ولا يزيدك الماضي إلا أصالةً وجمالا»

متن:

عدنا..

بعد غربة طالت سنوات..

صافحت خلالها وجوهًا كثيرة..

ثقافات مختلفة.. وجغرافيا جديدة.. وتضاريس معقدة..

عدنا للبيت القديم

في حيّنا المتواضع

البسيط بأبنيته الشعبية وأزّقته ودكاكينه

عدت لأسترجع بعضي الذي فقدته..

وبعضي الآخر الذي لم أعد أعرفه..

في غرفتي الصغيرة..

التي تركت في كل زاوية من زواياها حلما وأمنية..

شابت أمانينا وما شاب الأمل..

والمسألة بسيطة..

بمجرد الوصول للرف العلوي من دون الحاجة لكرسي للوقوف عليه

أو عصا لاستدراج الأشياء وإسقاطها بحذر

اكتشفت كم كبرت وتغيرت..

من بيتنا القديم..

خرج ضابط وطبيب ومحامٍ..

تغيرت الحياة وغيّرنا الظروف..

بنينا قصرنا الحديث..

ومع ذلك.. تُصر جدتي على البقاء في الماضي

بين جدران البيت وذكرياته التي لا تنتهي..

ونحن نسايرها بخجل..

حتى لا يسقط كبرياؤنا فالشرقي لا يبكي ولا يكشف حنينه وشوقه لأشياء رحلت ولن تعود..

خطوات جدي وعصاه..

ضحكات والدي وطرائفه..

كل شيء انتهى.. والراحلون بقيت لنا ذكرياتهم

معلقة على سقف بيتنا القديم

الحي ساكن وهادئ.. الغالبية هجره وانتقلوا للمدن الجديدة

وجدتي لاتزال تصر على البقاء

لم تغرِها الحداثة وأضواؤها

فهي صُنعت لزمن غير زمنها

وفي صوت مغلف بحزن الغياب قالت:

«الدنيا ما تغيرت، الناس هم اللي تغيروا»

عاجزة حتى الآن عن فهم كيمياء البشر وضعف تفاعل مشاعرهم

لماذا الجمود بين الجيران؟

لماذا البرود بين الأقارب؟

لماذا العلاقات أخذت شكلا باهتا ومصطنعا؟

وفي فورة مشاعر تقول الحمدلله إني عشت شبابي بذاك الزمن رغم قسوة ظروفه لكن القلوب شواهد والحب متدفق بين الناس.. ما الذي تغير؟

عدت من الغربة لأجد «شوكة وسكينا» على طاولة الغداء!

اعتقدت جدتي أننا تغيرنا وتغيرت ثقافتنا

حاولت جاهدة أن تحتوي هذا الجديد الذي عاد بعد سنين طوال؟

قبّلت رأسها..

أخبرتها أننا فخورون بها

وأن حياتنا البسيطة ليست عارا ولم نكن لنخجل منها..

لسنا بحاجة لطاولة طعام فنحن معك اعتدنا الأكل على الأرض

والأكل باليد ألّذ وأطعم..

وبوجودك يسر القلب ويسعد..

ابتسمت ومسحت دمعتها الخجولة..

ولهذا عدنا..

عدنا جسدا وروحا..

عدنا بأصالة الماضي وجمال الحاضر..

عدت لأفتخر بالبيت القديم وحياتنا البسيطة

عدت لأقول إن النهايات العظيمة تسبقها بدايات متواضعة

والظروف ليست شمّاعة لنعلق عليها إخفاقاتنا وكسلنا وعدم المثابرة لحياة أفضل

عدت لأقبل يد جدتي وأخبرها أننا لم نتغير

والشهادة ليست مبررًا لأن نتنكر لهذا البيت العظيم

أو نخجل منه

نحن فخورون.. بحيّنا.. وجيراننا.. وبكِ أنتِ

وليتها تكفي

فالكل رحل..

لم يبقَ لها شيء..

جدي ووالدي وجاراتها..

لا أريد للغياب أن يكسرها أكثر

لا أريد للوحدة أن تنال منها

وتنهش جسدها الذي نحل..

تبذل مجهودا كبيرا لتُشعرنا أنها بخير

لكن صوتها وضعف نظرها يقول عكس ذلك

تقف متكئة على عصاها

تتأمل المشهد من بعيد

تحدق بالبيوت.. والحي.. الشوارع

وكأني بها تصرخ:

أين هم؟

لماذا رحلوا؟

أين من كانوا يملؤون فضاءات الحي بالبهجة والفرح

أين جاراتي وصديقاتي؟

أين إخواني وأحبابي؟

مؤمنة بالقضاء والقدر.. وتعاقب الأيام والزمن

لكن هذا كثير..

قلبي أضعف من أن يتحمل مسافات الرحيل

فيارب عفوك ورضاك

مؤلم مشهد الحنين

لأيام مضت ولن تعود

لزمن انقضى لا يعوضه شيء

حين تمضي الحياة بخريف العمر

بعد أن استنفدت كل تجاربها وعشتها

بحلوها ومرها

وينتهي بك المطاف لنقطة البداية

تبحث عن دفء يحتويك

وتصبح أعظم احتياجاتك وجود الأحباب من حولك.. وليتك تجدهم.

إضاءة:

«في عمرٍ ما؛ ستفهم أن لا شيء في حياتك يستحق أن تخجل منه»

آخر السطر:

ومن أول تقول العرب يافهيد.. خِبْل اللي يتنكر لبيته ومرباه



بقلم : دويع العجمي

دويع العجمي