كتاب وأراء

رمضانيات 2

1
لستُ أدري عن كيف يستمر عامًا بعد عام برنامج الفنان المصري رامز جلال والذي يحمل في كل موسم رمضاني اسما جديدا يدل على الثيمة العريضة لمقالب دورته الرمضانية الجديدة، فهذا العام يطل علينا البرنامج بعنوان (رامز بيلعب بالنار)، والعام الماضِي حمل البرنامج عنوان (رامز واكل الجو) والأعوام التي سبقته حملت العناوين المتوالية: (رامز قرش البحر)، (رامز عنخ آمون)، (رامز ثعلب الصحراء)، (رامز قلب الأسد)، وتأتي هذه السلسلة السنوية المتواترة في قالب برامجي ترفيهي رخيص جدا ومبتذل، حيث يصرف منتج البرنامج أموالا طائلة على التحضيرات أولا وعلى فريق الخدع والانفجارات والحرائق التي تتم في كل موسم، علاوة على المبالغ الطائلة التي تدفع للضيوف الذين يطبقون (السيناريو) البرامجي بحذافيره بشكل تمثيلي مبتذل آخر.
لستُ أدري كيف وصلت بنا التسلية المعلوماتية إلى حدٍ جعل من هذه المضامين الفاشلة وغير الإنسانية تحقق هذا النجاح المتوالي سنويا، فأغلب المشاهدين نمت لديهم ثقافة الضحك على الضحيّة (الممثل) الذي يذهب للرعب بقدمه لكي يضحك عليه رامز ومتابعوه المعتوهون المغيبون كليا عن حجم الضرر الإنساني (صحيا ونفسيا ومعنويا) الذي يمارس على الضيف (في حال لم تكن الحلقات مفبركة)، حيث بات الضحك على الآخر سهلا جدا، الضحك عليه وهو يموت وهو يهان وهو يتعرض للتجريح الكبير، بل أعتقد اننا نضحك على ذواتنا عندما نشاهد مثل هذه المضامين التي تعلن أنها تمارس التسلية المعلوماتية بينما تدس لثقافة خطيرة هي ترسيخ اللامبالاة والاستهتار والتسلية اللامتناهية، والسؤال هو: هل تنقصنا الهزائم يا قوم كي نلحق بهزائمنا كل يوم هزائم جديدة، من بينها هذه الهزيمة الأخلاقية؟!

2
من المشاهدات الرمضانية التي تسعد القلب حقيقة هي إحدى المبادرات الشبابية التطوعية التي انطلقت من جامعة قطر بمؤازرة عدد كبير من المتطوعين في الدولة، حيث تهدف المبادرة الإنسانية إلى توفير وجبات إفطار كاملة وتوزيعها على المحتاجين من العمال والأيدي العاملة والمتواجدين في الأماكن العامة قبيل صلاة المغرب، وقد سعدت حقيقة عندما وصلني برودكاست عبر تطبيق الواتساب مفادة التعاون مع أعضاء الحملة وتوفير عدد من الأطعمة وتغليفها وتسليمها للفريق الشبابي والذي سيقوم مشكورا بنقلها للفئة المستهدفة في نفس اليوم، وقد لاحظت أن هذه البادرة الشبابية ليست الوحيدة ولله الحمد، فمن نفحات الإيمان والإنسانية في هذا الشهر الفضيل أنَّ عموم البشر يتنافسون في الخيرات، فتجد أنك لو تأخرت قليلا في زحمة الطريق عن اللحاق بسفرة الإفطار، فإن الكثير من الأخيار من أهل دوحة الخير يتنافسون على توزيع وجبات إفطار خفيفة تحمل الماء والتمر وبعض الحلويات، فتجد مثلا البعض يوزع هذه الصناديق الإفطارية على إشارات المرور والبعض يوزعها على مرتادي الكورنيش وأسباير وغيرها من المرافق العامة، فجزى الله خير الجزاء من تبنى هذه المبادرات المجتمعية الإنسانية الرائعة، متمنية من كل القلب أن يستمر هذا النشاط الإيماني الراقِي حتى ما بعد شهر الرحمة، فالكثير من العمال والأيدي العاملة متعففون ويعملون آناء الليل والنهار في ظروف مناخية واقتصادية واجتماعية صعبة جدا، ولا شك أن وجبة افطار أو غداء أو حتى عشاء ستسعدهم وتعينهم كذلك على توفير قوت يومهم اللازم.

3
الدراما الخليجية ورغم كل التطور الذي بلغته في العقد الأخير لم تصل يوما إلى تقديم مضامين تهز كيان المجتمع وتعري بعضًا من الجوانب الغنوصية التي حرص كتاب السيناريوهات الدرامية لسنوات طويلة أن لا يتعرضوا لها بسبب شراسة المجتمع في إخفائها وعدم كشفها عبر الأعمال الدرامية، اليوم تعرض على الشاشات دراما خليجية متميزة وجريئة وتشاكس كل تلك العقول التي وقفت لمدد طويلة تحارب من أجل عدم نشر الغسيل أمام الملأ، بيد أنَّ الدراما انتصرت لوظيفتها الحقيقية والتي تتمثل في عكس واقع المجتمع ومحاولة معالجته في قوالب متنوعة، هذه الدراما في مسلسل (ساق البامبو) الذي يعرض في شهر رمضان على عدد من القنوات الفضائية، والمأخوذ عن رواية الكاتب الكويتي سعود السنعوسي الحاصلة على جائزة البوكر عام 2013، فالمسلسل يناقش قضية هامة جدا وهي مسألة الهوية الضائعة للأبناء الذين يولدون من أمهات من غير البيئة المحلية، فأبناء الخليج تزوجوا الكثير من الجنسيات والأعراق المختلفة، والقضية التي أثارت الجدل على الشاشة ورغم تحفظي على تمطيط بعض الحلقات في المسلسل وطريقة معالجة الحبكة إلا أنَّ المسألة بحد ذاتها مقدَّرة في عرض مثل هذه المضامين الجريئة والتي تناقش مسألة الهوية الضائعة والتقبل المجتمعي للنسل الهجين، وأعتقد أنَّ الدراما في خليجنا ستنتصر أكثر في عرض كل ما هو حقيقي بعيدا عن التهويل والمبالغة (الميلودراما) أو التكرار الذي بات سيد الموقف الدرامي الخليجي!

بقلم : خولة مرتضوي

خولة مرتضوي