كتاب وأراء

الانقلاب وانهيار العدالة المصرية

في تواصل للنزيف القانوني الذي تعاني منه مصر منذ الانقلاب الدامي الذي شهدته البلاد في صائفة 2013 أصدر القضاء المصري سلسلة جديدة من الأحكام في حق ممثلي الشرعية بدءا بالرئيس الشرعي محمد مرسي وصولا إلى أقرب معاونيه ومرورا بصحفيي قناة الجزيرة.
الأحكام لم تكن صادمة في حدتها وعدم توقع صدورها بهذه الحدة بل هي صادمة في جانبها السريالي المثير للشفقة الذي لم يكن متوقعا في قراءة اسم القضية أو التهمة الرئيسية والمسماة «التخابر مع قطر». لن نجادل في شرعية الأحكام الصادرة وتفاصيلها لأن القاعدة الأم تقول أنّ ما بُنيَ على باطل فهو باطل لذا فإن كل الأحكام والمواثيق والاتفاقيات والأعراف والأحكام الصادرة عن الانقلاب هي أحكام باطلة في عرف المنطق السليم.
الجدل هنا في مسألتين أساسيتين على متين العلاقة بالقضية وبأبعادها وتداعياتها: تتعلق المسألة الأولى بالصمت الغريب من طرف المؤسسات العربية الرسمية عن هذا الاتهام الخطير الذي ينسف كل مقولات التضامن والتكامل العربي ويعصف بشرعية كل المؤسسات العربية بدء بجامعة الدول نفسها.
أما المسألة الثانية فتتجلى في خطورة تداعيات الانقلاب المصري على أمن المنطقة العربية ككل بما أصبح يمثله من تهديد حقيقي لأمن المنطقة الخليجية مع تمدد مشاريع أخرى لامبراطوريات إقليمية مجاورة. لم تعد خطورة الانقلاب تقتصر على الداخل المصري مع مجتمع ترزح أغلب طبقاته تحت خط الفقر والتهميش بل تتعداه إلى الخارج المصري بأن أصبح الانقلاب يصدّر الفوضى وعدم الاستقرار ويهدد دول الجوار وأمنهم. فكما تصدّر الشرعية والدولة الآمنة الاستقرارَ لجوارها الاقليمي تصدّر الانقلابات والدولة المغتصبة كلَّ أنواع الأزمات إلى جوارها الاقليمي.
إن أخطر مراحل الانقلاب المصري هو تحوله نحو تفكيك الروابط القومية والسيادية للدول العربية ومحاولة تأليب مكونات الجسد العربي الواحد بعضها على بعض. لأنّ خطورة الاتهام تتمثل في استهداف دولة عربية مسلمة ذنبها الوحيد هو أنها رفضت التآمر على ثورات الشعوب وسحق أحلامهم بالحرية.
نالت قطر الكثير من الأذى بسبب مواقفها المشرفة من موجة التغيير العربية السلمية وشنت عليها قوى الثورة المضادة بعمقها العميق وبمنصاتها الاعلامية الانقلابية هجمات شرسة خلال السنوات الخمس الفارطة ولا تزال.
لكن إذا كانت الهجومات الإعلامية تدخل في جزء كبير منها في إطار تصفية الحسابات السياسية فإن تحويل القضاء إلى ساحة للصراعات السياسية إنما يعلن قبل كل شيء عن موت الدولة ونهاية المؤسسات ويهدد بانهيار شامل لكل المنظومة الاجتماعية والاقتصادية وهي ما نقف عليه كل يوم في مصر.
ليس الانتقام والتشفي اللذان عبر عنهما القضاء الانقلابي بالأمس إلا مسامير جديدة تُدقّ في نعش الانقلاب نفسه معلنة أن سقوطه أمر حتمي ولا فكاك منه لأن «العدل أساس العمران» ولأن «الظلم مؤذن بخراب العمران» حسب التعبير الخلدوني الأشهر.
بقلم : محمد هنيد

محمد هنيد