كتاب وأراء

تسليم أهالي

كم هي معبرة تلكم المصطلحات الشعبية التي نقف حيالها منبهرين بقدرتها على توصيف الواقع.
من بين تلك المصطلحات، جملة تقال في الأوساط الشعبية في مصر وهي «متسلم تسليم أهالي»، فكم أقابل من نماذج ينطبق عليها بدقة هذا التوصيف.
فبإحدى سفراتي، وكنت في المطار، قابلت عروساً وحيدة تجر حقائبها وأذيال ثوب العرس الذي كان يربك خطواتها، تابعتها بنظري فوجدتها وحيدة، دون عريسها.
الشاهد، دخلت الطائرة وجلست على المقعد بجانب أسرتي ووجدتها تجلس وحيدة بمقاعد الصف المجاور ولا يفصل بيننا سوى الممر. جلست مرهقة و«ملخومة» وقد حاولت مساعدتها، فتجاذبنا أطراف الحديث.
: مبروك، إن شاء الله حياة سعيدة مع عريسك.
: الله يبارك فيك، هو بانتظاري في المطار.
: العريس قريب لك؟
: أبدا، أنا حتى لم أره بعد سوى في الصور، فأهلي قاموا بتزويجي له عبر توكيل، أي بالوكالة.
: لمَ؟
: ظروف، الحقيقة أوضاع أهلي المادية صعبة قليلًا، فيما معاملتهم لي كانت قاسية كثيرًا.. وأنا متسلمة تسليم أهالي وراضية بهذا التسليم، على أمل أن يكون في غيب المستقبل شعاع رحمة وبصيص رفق لم أره في عيون عائلتي، وعمومًا إننا نرضى بمُر الغيب، حينما يكون الواقع أشد مَرارة! فلكم حاولت أن أخرس يأسي برجائي في غد واعد، فحنيني لحنية المجهول لم تبرح صدري بعدما تيقنت من قساوة أهلي المعروفة عنهم.
: ألست خائفة؟
: جداً، أنا قلت لك إني عارفة إني متسلمة تسليم أهالي، لكني أراهن على رحمة في الغيب لم ألمسها في قسوة الواقع. فأنا لم أحلم يوما بحياة باذخة، لكني قد وطنت العزم على الهروب من عتمة واقعي نشدانًا للضوء عبر حدود المستقبل المجهول.
لقد راهنت على أن ربما توشك الفجيعة أن تصبأ عن قساوتها، أو تُراني أستولد الأمل من صلب مستحيل الآلام.
بعدها بسنوات، وفي ظهيرة يوم صيفي شديد الحرارة، كنت على وشك الخروج أيضا من المطار بعد قيامي بتوصيل بعض المعارف، وبالمنطقة الواقعة بين باب الخروج والدخول، وقع بصري على سيدة سمراء ملامحها مصرية يتصبب منها العرق صبا، ثم انها تدخل المطار وليس في حوزتها سوى حقيبة يد وكيس قمامة أسود لفت فيه شيئا أحسبه الحاسوب.
كدت أخرج مسرعة، لكني توقفت لها حين التقت أعيننا، وعلى الفور سألتها
: أسفة للتطفل، لكن شكلك متعب جدا، ما بك؟ هل أنت مسافرة؟
أجابت:.. زوجي طلقني.
سألتها: أيوجد أحد من عائلته مقيم معكم في البيت؟
قالت: والده ووالدته وإخوته كلهم كانوا معنا.
قلت: والأولاد؟
ردت: تآمر علي وأخذهم بعدما لفق لي تهمة وأتى بأهله شهودا ثم طلقني بعدما تزوج بأخرى.
فسألتها: وأين أهلك؟
فكان أن قالت: أنا أساسًا متسلمة تسليم أهالي.
قلت: أأستطيع أن أساعدك بشيء؟
قالت: ادعي لي.
}}}
كم من صبايا تم تسليمهن تسليم أهالي!
هذه الفتاة الذي تقدم لها عريس، فقام الأب بمهاتفة بعض أقاربه للسؤال والتقصي عن العريس وأسرته، ثم تلتف الأم خلسة من خلف الأب وتتصل بالأقارب وتطلب منهم عدم التقصي عن زوج المستقبل ولا عن عائلته لتنعقد الزيجة «عمياني». فيذهب مستقبل وحياة ابنتها سدى لأن الأم مسلمة بنتها «تسليم أهالي»، فكل ما يهمها هو أن يقال إن فلانة زوجت ابنتها وأنهت مسؤوليتها!
أي جهل وأي قسوة تلك التي تجعل الأهل يتهاونون في السؤال عمن يتقدم لابنتهم، فتشقى الابنة حياة كاملة.
أي أخلاق تجعل الأب يوافق على عمل ابنه في سن صغيرة فيعرضه للتحرشات والاعتداءات أو للمخدرات، والمؤسف حقا، حين يعي الصغير أن من أجرم بحقه ليس المتحرش ولا المغتصب ولا مروج المخدرات، لكن لكون أهله قد سلموه لهؤلاء «تسليم أهالي».
إن للرشاوي مسميات تكسبها البراءة ولجرائم الأهل مسميات تكسبها القداسة. لذا، فقد اتفق الناس أن أمرّ ما يتجرعه الإنسان هو الظلم، أما لو تذوق المُر على مائدة الاقارب، فإنه وبحق أسوأ أنواع العلقم.
فصدق شاعرنا:
تعْدو الذئابُ على من لا كلاب له.. وتتقي مربض المستأسدِ الضّاري
كاتبة مصرية

داليا الحديدي