كتاب وأراء

التعليم والجدل بين المحلي والعالمي

يشغل النقاش حول التعليم وقضاياه مساحات واسعة مما بجري على مستوى العالم، ففي كل دولة ومجتمع يبدو التعليم كأحد اهم القضايا التي يتداخل فيها دور السياسيين والعلماء ورجال الدين وغيرهم من النخبة، فالتعليم وبعد أن اصبح إلزامياً لم يعد مسألة ترفية أو هامشية، بل على العكس وصلت أهميته حداً تعتبره فيها بعض الدول ضمن قضايا الأمن القومي الاساسية.
يُنظر إلى التعليم الاساسي- لا سيما التعليم الذي يُطبق في معظم انحاء العالم والذي يفرض نحو اثني عشر عاماً من التعليم - كأداة مهمة ورئيسية في تشكيل وعي مجتمع كامل. ذلك أن طبيعة العمر الذي يكون عليه الإنسان والمناخ أو البيئة اللذان يوضع بها ذلك الجيل يشكلان وعيه حول محيطه وكذلك في ما هو خارج محيطه. فالتعليم يعمل على مساعدة الإنسان في تعريف نفسه وعندما يبدأ الإنسان بذلك فإنه يبدأ بمقارنه نفسه بالآخر خارج محيطه، من هنا تكمن أهمية التعليم في الدول وتركيزها عليه ومتابعته ورصد الموازنات له.
عندما يبدأ الإنسان بتعريف ذاته ويقارنها بالآخر فهو انما يفعل ذلك بناء على مقومات قد لا يستشعرها للوهلة الاولى، لكنها تسيطر على قراراته وتدفعه نحو خيارات معينة.
هذا الامر يتعزز في ظل ارتباط التعليم وانظمته في العالم بمنظومة قيم ترافق العملية التعليمية، فالمحيط التعليمي في المدارس على سبيل المثال لا يرتبط بمعلومات مجردة، بل على منظومة قيم ترافق تلك المعلومات، وهذا الامر يزيد من حدة القلق لدى الكثير من المجتمعات. في الصين على سبيل المثال ثمة قلق من تفوق اللغة الانجليزية على اللغة الصينية في انظمة التعليم، مما دفع الحكومة إلى وضع خطط لاقصاء اللغة الانجليزية بالكامل عن مرحلة معينة من التعليم حتى يركز الطلبة على اللغة الصينية.
ظاهر القلق الصيني يبدو مسألة اللغة، لكنه بالنظر العميق إلى المسألة يبدو ان الحكومة قلقة من منظومة القيم التي ترافق اللغة الانجليزية والادبيات التي تصبح متاحة إلى قطاع واسع من الشباب الصيني، ويزيد الطين بلّة مسألة التواصل بين المجتمعات التي يؤمنها الانترنت عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
التجربة التركية هي في هذا الجانب شبيهة للتجربة الصينية، غير بعيد عن هذه المسألة هو أن الحكومات واجهزة التخطيط لقطاع التعليم في معظم دول العالم دخلت في سباق محموم من تغيرات اجتماعية وتكنولوجية تساهم في تشكيل وعي الجيل المستهدف بعيداً عن أي نظام تعليمي. بعبارة أخرى فإن هناك مساحة من تشكيل الوعي قد أفلتت من أجهزة التعليم، بالطبع هذا أضاف عبئا كبيراً على تلك الاجهزة والحكومات التي تتبع لها، في هذا السياق يجب التذكير أن خصوصية قلق كل مجتمع تبدو جلية، فما هو مقلق في مجتمع عربي أو مسلم، قد يكون مختلفا مما هو مقلق في مجتمع بريطاني أو صيني أو اميركي أو برازيلي، لكن ما يجمع الجميع هو القلق المرتبط باللغة، فاللغة ومنظومة القيم التي يزودها أي نظام تعليمي تعود لتتصدر قائمة المسائل التي يدور حولها النقاش في التعليم بين ما هو محلي وما هو عالمي.
ثمة أنطباع أن العالم قرية صغيرة، وأن أنظمة التعليم يمكنها أن تصنع الإنسان «العالمي»، لكن النظر إلى النقاشات التي تجري في دوائر صنع القرار في العالم وفي البرلمانات والمؤتمرات ووسائل التواصل الاجتماعي تؤكد أن المحلية بكل مقوماتها في اللغة والقيم اصبحت تحتل المساحة الابرز، وان المجتمعات بتنوع افرادها لا ترغب ان يكون الجيل القادم غريبا على عوامل قوته المعنوية من لغة وقيم وبغض عن كل ما تحمله حضارة العصر المادية من مغريات.
بقلم : محجوب الزويري

محجوب الزويري