كتاب وأراء

أشتاقكم

داليا الحديدي
أشتاق لوجوهكم الوضاحة ولجباهكم اللامعة صباحًا من أثر الوضوء، أشتاق لفطور الجمع ورائحة الفلافل وخبز الفجر تحوم حولي كهالة نرورانية تذكرني بالنعيم الزهيد الحلال، لكن أتشتاق إلى طرقات ضفاف النيل؟ أتشتاق إلى عرانيس الذرة المشوية ساعة العصاري أمام ماسبيرو؟
أتشتاق إلى أروقة جامعة القاهرة ومقاصفها بأسعارها الحنونة آنذاك؟ أشتاق إلى إذاعة أم كلثوم من الخامسة وحتى العاشرة مَساء تلك التي كنت أستذكر دروسي على صوت أثيرها؟
- أما زلتم ترشون الماء صباحًا لترطيب شوارعكم؟ أما زلتم تفتتحون دكاكينَكم بآياتٍ من الذكر الحكيم بصوت
المنشاوي والطبلاوي؟
أما زلتم تطلقون البخور في دياركم بصباحات الجمع والأعياد؟
أما زال صبيانكم يلعبون الكرة الشراب في الحواري والأذقة؟
لعَمري، أشتاق لعُمري بينكم.
أشتاق لسكندريتي
لم أهب يومًا جلالَ الغرب ولا انبرهت بتبرج عمرانهم «القوطي» فحسن سكندريتي يعلو على سواها من أمصار العالمين.
الإسكندرية حصنتني، فلأنني اقترنت بشطآنها، فما عادت فتنة الغرب تعنيني، كزوجة مكينة لدى زوجها ما استطاعت آخريات أن ينلن من حظوتها.
أشتاق لاستنشاق الأوكسوجين السكندري الناعم. أتشتاقني النوة والمظلة ومعطفي الصوفي الأسود؟ كيف أشرح للعالم جماليات لفظة التعجب السكندرية من أفواه الصبايا «أيووووووه»؟
تماما كموجة داعبتك بقذيفة مياه يبقى زبدها بصدى يوووووووه
أتشتاقني العمارة الرومانية التي أسرفت طفولتي في تأمل جمالياتها في المنشية وزيزينيا وحتى المنتزة؟
أيشتاقني الدنيس والبوري والبربوني بمطعم النادي اليوناني ببحري؟ أيشتاقني موج الأُبَيِض وعجيبة في مطروح؟ أتشتاقني القاهرة القديمة وأحياؤها، تلك التي طلقها أهلوها طلقة رجعية وهجروها إلى ضواحي أشد صبا؟
- أشتاق لاستلام بطاقة دعوة لعرس مصري فخم ب(فندق عمر الخيام)، أو بقاعة ألف ليلة وليلة ب(النايل هيلتون). أشتاق للتبرج للمنافسة في التأنق بين فتيات مصر الريانات، البهيات. أشتاق لمشهد إطلالة العروس بثوبها الأبيض وتأمل الزفة وإطلاق الزغاريد الطويلة الرنانة.
كنت في الماضي أتحرج من حضور الأعراس لعجزي عن شراء ثوب يليق بعرس عربي مبهرج. اليوم وبعد زهاء عشرين عامًا في الغربة، وأخيرًا اقتنيت ثلاثة أثواب للسهرة، واشتريت قنينة عطر من «إيلي صعب».
ثلاثة أثواب وقنينة عطر بانتظار دعوة عرس واحدة. لما لا تأتي الدعوات إلا حينما نفتقد ثمن الثوب اللائق؟ ثم نقتني الثوب والعطرمعا، فلا أعراس، ولا وطن يدعوك!
اشتاقكم، ادعوني.
كيف حَاُلكم؟
كيف حال أبناَئِكم وصيفَكم وشتائَكم؟ إن أتاكم الربيع فادخروا لي صحنًا من التوت الأخضر المغسول بالندى. في الصيف وأنتم تقفون أمام عربة التين الشوكي، تذكروا أنني كنت من عشاقه.
وفي ليلي الشتاء حول المدفأة، افسحوا لي مكانًا بين أحضانكم، فلا أدفأ من عناق صادق.
أشتاقكم وأتصفح الوجوه في المجمعات بحثًا عن ملمح خمري وصوت يحمل لهجة مصرية.
- ودي لو نطقت المقاعد الخشبية لكنيسة مدرستي لتجاهر بأنها هي من علمتني لأول مرة ماذا تعني مفردة السكينة.
- أتشتاق إلى أذني أجراس الكنائس وأصوات المآذن ونايات الرعيان؟
- هل يزال يوجد لي مقعد على موائدكم في رمضان؟
- ادعوني وسأصنع لكم طاجن من الأرز المعمر بالقشطة البلدية، وسأشتري كنافة ولوز من «العبد»، وسأحضر لنتناوله جمعا.
- أشتاق لريف بلادي الأخضر ولدروب الصبا، وأعلم أن مدرجات جامعة لقاهرة تطوق لفتية وصبايا لطالما استأمنوها على قصص حبهم الفاشلة؟
أشتاق لسهرات الأهل وجمعتهم بسحارة سيتي ومقهى الفيشاوي ومطعم أبو شقرة.
أشتاقكم
- أعطتني الغربة وقتا، أعطتني كل الوقت لتذكركم.
تقول لي دانة: «أمي أنت قنُبلة مشاعر». وها أنا ذا انفجر على الورق شوقًا لذكرياتي معكم.
أشتاق لقراكم العالقة في قلبي كما يعلق الشغف بجنبات المحبين المتكئين على أرائك الكورنيش في ليالي الشتاء المطيرة، حين يتخيمون تحت ظلال معاطفهم، فأي عشق أرق وأرهف؟
- سيظل لوطني في وجداني حنين الحفيد لرائحة عباءة جدته الراحلة.
- سيظل لمصر حلو أمل العود وشوق الزوجة لأوبة شريكها الرحّال.
- سيبقى وطني في خاطري مرادفا لحفاوة الأطفال بهدايا العيد، ووعد أن الغد شاطئ وموج ورمال ودراجة وملاهي ومعمورة.
- سيظل لبلدي طيف مقعد بجوار النافذة بالقطار، حيث دهشة الطفولة، وأفواه مفتوحة وعيون محدقة لظل أشجار تعدو للخلف، ونحن نستبقها للأمام وأحلام كانت كلما سرنا تطير.
سيظل للوطن رائحة بَشرة جدتي وذكرى موقع سجدتي وقِبلة فرحتي ومنتهى رجاي.
- أشتاق لأخلاق الجنوبيات وأحن لكل مصرية تعاند الهموم كجيفارا يعاند الظلم ويثور على الظلام.
عشب الرحمة لا يَنبُت بحديقة دار يدعسها زوج ببيادة ثقيلة، فرفقا بالقوارير، رفقًا بضعفائكم وفقرائكم ورفقًا بضيوفكم.
إن أتاكم عربي أو أعجمي فاكرموهم، إنهم يكرموننا في الغربة، والكرم دين كنقوط أعراسكم واجب السداد.
يقولون إن أجمل الشعر أكذبه، فنثرت لكم كون أجمل ما في النثر، أصدقه.
وأنا صدقًا أشتاقكم.

داليا الحديدي