كتاب وأراء

بين التطبيع السياسي والتطبيع الشعبي

تعيش المنطقة اليوم على وقع وتيرة متصاعدة تهدف إلى تحقيق التطبيع السياسي مع الكيان الصهيوني. هذا النسق ليس جديدا بل يعود إلى الفترة التي تلت هزيمة 1967 وما أعقبها من أحداث جسام لا تزال الأمة تعاني من تبعتها. لكن وتيرة التطبيع أخذت في السنوات العشر الأخيرة تتحرك بسرعة لافتة غذتها مختلف التطورات في المنطقة وأهمها ثورات الربيع الأخيرة وخاصة الانقلاب المصري.
صحيح أن الأمة تعيش أضعف مراحل تاريخها المعاصر وصحيح كذلك أن النظام الرسمي لم يعد يملك من شرعية سياسية سوى التنازل وراء التنازل والتطبيع وراء التطبيع. لم يعد أمر التطبيع الرسمي مع الكيان الصهيوني مقتصرا على أنظمة بعينها اعتادت على مغازلة المحتل سرّا وعلنا بل وصل الأمر اليوم إلى دول رمزية تعتبر حامية لمقدسات المسلمين.
فبعد سلسلة من التسريبات التي كشفت العلاقات القائمة بين النظام السعودي والكيان المحتل أصبحت المجاهرة بالتطبيع أكثر من علنية بل صارت مدعاة للافتخار والتباهي. وليست الزيارات الأخيرة التي يقوم بها إعلاميون ورياضيون وفنانون وناشطون عرب إلى دولة الكيان إلا سعيا نحو القفز بالتطبيع من الدائرة السياسية نحو الدائرة المدنية والشعبية.
فعلى المستوى السياسي نجحت الأنظمة العربية الداعمة للانقلابات والمغذية للفوضى في خلق جسور تواصل مع النظام الصهيوني على حساب ثوابت الأمة لكنها لا تزال تواجه رفضا شعبيا قويا. هذا الرفض الشعبي يمثل العائق الأساسي أمام كل الصفقات التي تبرمها الأنظمة في الخفاء مع العدو وهو ما تعيه هذه الأنظمة جيدا ويدركه كذلك مسؤولو دولة الاحتلال.
لكن من جهة أخرى يبدو التطبيع وعلى رأسه صفقة القرن الثمن الحقيقي لكي تحافظ الأنظمة العربية على السلطة وهو ما يفسر بشكل كبير حجم الهرولة السريعة نحو التطبيع. إلا أن الحراك الشعبي الذي لا يزال يتفاعل يمثل تهديدا للنظام الرسمي العربي بشكل قد يسرّع معه سقوط هذه الأنظمة أي أن التطبيع مع الصهيونية قد يكون آخر المسامير في نعش النظام الرسمي العربي.
إن صفقة القرن ومسارات التطبيع تؤكد مرة جديدة على أن السلطة السياسية العربية ليست إلا امتدادا للمنظومات الاستعمارية وأنها لن تتردد في المتاجرة بالمقدسات وفي قمع شعوبها وإحراق أوطانها ومحاصرة جيرانها في سبيل السلطة والعرش. المعركة اليوم بين الحرية والاستبداد وبين الشرعية والانقلاب وبين التطبيع والتحرير هي كل واحد لا يتجزأ وهي المعركة التي ستنقل الأمة من طور الاحتلال إلى طور الانعتاق والتحرر مهما حال المطبعون وأعوانهم.
بقلم: محمد هنيد

محمد هنيد