كتاب وأراء

مقتطفات صحفية

معظم حروف اللغة العربية يتشابه رسمها: السين والشين، الباء والتاء والثاء والنون (إذا كانت متصلة)، الطاء والظاء، الفاء والقاف، الصاد والضاد، الراء والزاي، الدال والذال، الجيم والحاء والخاء، وما يميز حرفاً عن آخر هو عدد النقاط وموقعها فوق الحرف أو تحته، ومن أشهر الأخطاء عدم التفريق في الكتابة بين الياء والألف المقصورة فكلتاهما ترسم هكذا (ى) والفرق أن الياء تأتي تحتها نقطتان، وليستا تحت الألف المقصورة، وقد اعتاد كثير من الكتاب إغفال النقطتين تحت الياء إذا كانت في آخر الاسم أو الفعل أو الحرف، قلنا: كيف سأميز بين «إلى وإليّ»؟ وبين «على وعلي»؟ وتذكرون التشنيعة التي قيلت عن أحد الزعماء، إذ كتبوا له «نشكر المواطن على حسن سلوكه» فقرأها «نشكر المواطن علي حَسن سلـّوكـَه» ومن أشهر هذه الأخطاء الإملائية الهاء «ـه» والتاء المربوطة «ـة» في مقابل التاء المبسوطة فإذا أزلنا النقطتين ما الفرق بين «عليه» كحرف جر وضمير متصل و«عِليّة» أو عُلـَيّة» أو «عِلـْية»؟
نعرف أننا نلفظ التاء المربوطة هاء عند الوقف عليها فنقرأ «الحياة» كأنها «الحياه» و«السقاة» كأنها «السقاه» وفي سورية (وليست سوريا ونقرؤها سوريه إذا وقفنا عليها) ينطق الناس التاء المربوطة كالتاء المبسوطة فيقولون «الحيات» لكنني أرى مراراً في أنواع الصحافة استهتاراً بالفرق بين الحرفين فيكتبون «المعارضه السوريه ستشارك في اجتماعات جنيف القادمه»
قرأت على شاشة إحدى القنوات «أعرب.... عن تفائله» فكدت أصرخ «والغتاه» نعرف أن في كل قناة إخبارية عددا من المدققين اللغويين، وتشكر القنوات على هذا، فكيف مرت هذه الغلطة؟ الهمزة في تفاؤل من أصل الكلمة، ولا تأتي إلا مضمومة، سواء كانت الكلمة مرفوعة أو منصوبة أو مجرورة كما في المثال، ولكن من طبع ظنها مجرورة وقدر أن الجر يلحق بالهمزة فوضعها على كرسي بدلاً من الواو.
ثمة أفعال أمر في النحو العربي تسمى «أفعال الحض والطلب» ومن أشهرها الآن فعل «دع» وكثيراً ما نسمع أو نقرأ «دعني أقول لك» أو «دعونا نتابعُ هذه المهمة» أو «دعونا نستبشرُ بخير» وهذا كله خطأ، لأن أفعال أقول ونتابع ونستبشر يجب أن تكون مجزومة، ويسمى هذا الجزم لأنه في جواب الطلب، دعني أقل، ودعونا نتابعْ، ودعونا نستبشرْ. قال بشار بن برد:
دَعني أَمُت بِالهَوى لا يَلـْحَني لاحِ لَيسَ المَشوقُ إِلى الأَحبابِ كَالصاحي
ويهمنا هنا فعل «أمت» فهو فعل «أموت» مجزوماً، وقال الشريف المرتضى:
دَعْني أنَلْ من زماني بعضَ لَذَّتِهِ فقد وثِقْتُ بأنّ الدّهرَ يَفْرِيها
وفعل «أنل» هو فعل «أنال» مجزوماً، وقال عنترة بن شداد:
دَعوني في القِتالِ أَمُتْ عَزيزاً فَمَوتُ العِزِّ خَيرٌ مِن حَياةِ
وقال طرفة بن العبد:
فإن كنت لا تسطيع دفع منيتي فدعني أبادرْها بما ملكت يدي
وثمة مثال آخر على المجزوم بجواب الطلب هو مطلع قصيدة امرئ القيس:
قفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل.
يورط بعض الكتاب أنفسهم من حيث لا يدرون، فيأتون بكلمات قد لا يعرفون مدلولاتها، لنقرأ هذه الجملة «وآثر على نفسه الألم» إنها ركيكة إلى أبعد حدود الركاكة، لأنها لا تعطي المعنى المقصود تماماً، تتحدث المقالة عمن تحمل الألم ليفوز، لكن الكاتب أورد كلمة ومصطلحاً لا يعبران عما يقصد.
آثرَه: فضله. قال تعالى في سورة يوسف على لسان إخوته: «قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين» وآثرت فلاناً على نفسي من الإيثار، وآثر: فضل وقدم. قال الحطيئة يمدح عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
ما آثروك بها إذ قدموك لها لكن لأنفسهم كانت بها الإثر
ومن الشائع في الأدب العربي المقابلة بين الأثرة والإيثار، أي بين الأنانية وتفضيل الآخرين، وبالمناسبة نشتق من الجذر نفسه صفة «أثير» أي مفضل، ونقرأ كثيراً عن المأثرة، وهي المكرمة لأنها تؤثر أي تذكر، أو هي المكرمة المتوارثة، قال صلى الله عليه وسلم: ألا إن كل دم ومأثرة كانت في الجاهلية فإنها تحت قدمي هاتين، ونقول «حديث مأثور» أي يخبر الناس به بعضهم بعضاً أي ينقله خلف عن سلف.
أعود إلى الجملة التي أثارت هذا الحديث، كان بإمكان الكاتب أن يتجنب هذا الخطأ بالقول: آثر أن يتحمل الألم.
دعونا دائماً إلى تيسير اللغة، وإذا كان الخيار بين كلمتين صحيحتين، فإننا نختار الأكثر تداولاً والأقرب إلى أفهام العامة، ونترك الكلمة المهجورة التي لا نجدها إلا في المعاجم. قرأت لكاتب صحفي أديب مؤلف «تستعمل الشرطة الكلاب في تقفي آثار المجرمين» والكلمة صحيحة معجمياً، ولكن كلمة «تقفي» ليست سائدة بين الناس، والمعروف والمشهور «اقتفاء» فلماذا ترك الكاتب الكلمة الأسهل وجنح إلى الأصعب؟ قالت عائشة رضي الله عنها: «ما خُير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن حراماً»، ونحن ندعو إلى اختيار الأيسر، ولا تنسوا أنكم تخاطبون العامة ولا تخاطبون الخاصة. وفي المعجم «اقتفاه وتقفاه: تبعه» والمصدر من اقتفى «الاقتفاء» ومن تقفى «التقفي»
يكثر الكتاب من الاستشهاد بآيات من القرآن الكريم أو بأحاديث نبوية أو بأبيات من الشعر العربي القديم، وقد نبهت سابقاً إلى أن كتاب الله بين أيدينا فلا يجوز أن نخطئ في نقل آية، أما الحديث فإن لم تكن متأكداً من لفظه فقل «أو كما قال» والأفضل طبعاً أن تأتي بالحديث بنصه الصحيح. ونأتي إلى الشعر وهنا أيضاً قد تعينك الموسوعات الشعرية وهي كثيرة على شبكة النت.
إحدى الكاتبات أرادت أن تدعم رأيها ببيت شعري فقالت: للشاعر المخضرم «زهير بن أبي سلمى» بيت مشهور يقول فيه: ومن يجعل المعروف في غير أهله يكن ذماً عليه ويندم، وهنا أخطأت الكاتبة خطأين: فقد صنف العلماء الشعراء حسب زمنهم فقالوا: الجاهلي والإسلامي والأموي والعباسي وهكذا، أما صفة «المخضرم» فتطلق على من عاش في الجاهلية والإسلام مثل الحطيئة والأعشى وكعب بن زهير، أما زهير فليس مخضرماً لأنه توفي قبل الهجرة بثلاثة عشر عاماً أي عام 609 للميلاد. والخطأ الثاني في نقل البيت الشعري، وما أثبتته الكاتبة لا علاقة له بشعر زهير ولا بالشعر كله، فهو مكسور وغامض وفيه أخطاء. قال زهير بن أبي سلمى في معلقته:
ومن يكُ ذا فضلٍ فيبخل بفضلِه على قومِه يُستـَغن عنهُ ويُذمَمِ
ومن يجعلِ المعروفَ من دونِ عِرضِهِ يَفِـرهُ ومن لا يتَّقِ الشتمَ يُشتـَمِ
ونلاحظ كأن الكاتبة بعثرت كلمات البيتين، ثم اختارت بعض الكلمات خبط عشواء، وأضافت من عندها بعض الكلمات، فخرج من بين يديها بيت مكسر سيقاضيها زهير لو أنه سمعها تنسبه إليه.

بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين