كتاب وأراء

فوران في فرنسا .. ماذا يجري؟

تشكل حركة الاحتجاجات والإضرابات الأخيرة التي تقوم بها شرائح عديدة من الشعب الفرنسي ضد قانون العمل الذي تناقشه الحكومة الفرنسية منذ زمن طويل، والذي لم تتجرأ حتى حكومة اليمين زمن ساركوزي على المساس به، رمزا جديدا من رموز حركات الشعوب نحو نيل حقوقها المدنية المشروعة التي تسعى السياسة لسحبها منها، لم تقتصر الاحتجاجات التي نظمها الاتحاد العام للعمل، وهو أحد أهم وأعرق المنظمات النقابية الممثلة لشرائح الفرنسيين والتي تضم كافة النقابات العمالية الأخرى، لم تقتصرعلى العمال فقط، بل شملت شرائح واسعة من الفرنسيين، موظفين ومواطنين بلا عمل وعمالا مؤقتين وطلاب جامعات وطلاب مدارس، ربات بيوت، عمال المصافي وعمال المطارات والسكك الحديدية ومحطات المترو وسائقي التكاسي، وكافة القطاعات اللوجستية المشغلة فعليا للحياة الفرنسية، واللافت في الاحتجاجات هو الوجود الكثيف للحركة الشبابية في قلب الاحتجاجات، وهو ما يعيد للذهن تاريخ الثورات والاحتجاجات القديمة والحديثة في العالم، والتي تشكل طاقة الشباب الجزء الأهم فيها، ولعل ما يثير الانتباه في حركة الاحتجاج المستمرة منذ أشهر في فرنسا، والتي تشكل ساحة الريبوبليك (الجمهورية)،مركزا يوميا لتجمع أنصارها هو تزامنها مع قانون الطوارئ الذي فرضته الحكومة الفرنسية بعد الأحداث الإرهابية الأخيرة في شهر نوفمبر عام 2015، مما سمح لحالة من العنف بين المحتجين والشرطة الفرنسية وقوات حفظ الأمن،أن تظهر بوضوح، فقانون الطوارئ يمنع التجمعات الكبيرة والحكومة تتذرع به كونها تريد حماية الفرنسيين من الإرهاب الذي يهدد فرنساحاليا، وبالنسبة للحكومة فإن التجمعات الكبيرة قد تكون منفذا لللإرهابيين للقيام بعملياتهم، بينما يرى المحتجون أن قانون الطوارئ لا يستطيع منع الإرهاب، وأن العمليات الأخيرة التي حدثت لم تحدث في التجمعات فقط، بل طالت اشخاصا يمارسون حياتهم اليومية العادية، وبالتالي فإن الحكومة تستخدم ذريعة الإرهاب لوقف حركة الاحتجاجات ضد القانون المزمع فرضه، بل ذهب المحتجون إلى مكان أبعد من ذلك في اتهام الحكومة باستخدام الذرائع لوقف الاحتجاجات، حيث أنه في حركة الإضربات والاحتجاجات الأخيرة قبل أيام تم تناقل صور وأخبار عن تكسير المحتجين لأحد مشافي الأطفال في باريس، وهو ما اعتبرته الحكومة تصعيدا عنفيا تخريبيا يدل على نية المحتجين في تعميم الخراب، غير أن المحتجين والجهات المنظمة للإضراب نشرت بدورها صورا لملثمين يقومون بتكسير المشفى بينما تظهر قوات حفظ الأمن تقف بالقرب منهم دون أن تمنعهم من فعل ذلك، الصور التي انتشرت سريعا في مواقع التواصل الاجتماعي وفي بعض الصحافة الفرنسية، أظهرت، تشكيكا برواية الحكومة الفرنسية من قبل الفرنسيين، الذين أعادوا السؤال حول الكثير من الأحداث السابقة والمرافقة للإضرابات والاحتجاج، ومن ضمنها ما قام به (العروسي عباله) من اغتيال لأحد عناصر الشرطة وزوجته تنفيذا لفتوى العدناني بقتل الفرنسيين في بيوتهم،وذلك قبل أن تقوم الشرطة بقتله، إذ اعتبر المؤيدون للإضراب والاعتصامات أن حادثة كهذه، قيل لاحقا أنها تمت لغاية شخصية، تم استغلالها من قبل الحكومة لنشر الخوف من الإرهاب وبالتالي يجب إيقاف حركة الاحتجاجات، وهو ما يقول عنه مراقبون إن التشكيك برواية الحكومة يحصل للمرة الأولى في التاريخ الفرنسي الحديث، اللافت في كل ذلك، أن من اقترح مشروع قانون العمل موضوع الاحتجاج هو وزيرة العمل الفرنسية (مريم الخمري) وهي وزيرة شابة من أصول عربية، وأن رواية الحكومات متشابهة حينما تمس مصالحها.
بقلم : رشا عمران

رشا عمران