كتاب وأراء

ورشة المنامة وصفقة القرن

ليست الجهود الكبيرة التي يقوم بها النظام الرسمي العربي في محاولة إنجاح اللقاء الذي ينعقد في العاصمة البحرينية إلا سعيا منه للتأكيد على ما رشح عربيا ودوليا ضمن ما يعرف بصفقة القرن. أي أن الجهود التي تُبذل في البحرين هي مواصلة لموجة التطبيع الحثيثة كردة فعل على الهزات الارتدادية التي خلقتها ثورات الربيع.
فرغم التنديد الشعبي الواسع بهذه المبادرة، ورغم رفض القوى الفلسطينية الوطنية المشاركة فيها باعتبارها إعلانا عن بيع الأرض وبيع القضية، فإن الدول الراعية لها لا تزال تكابر وتصر على عقدها. الصفقة معلنة صريحة ولا تخفي، حتى ثمن الأرض الذي سيدفع للطرف الفلسطيني الموافق على البيع وهو خمسون مليار دولار ستدفعها طبعا الدول العربية الغنية وعلى رأسها السعودية والإمارات لحيتان السلطة.
لم تنجح الدول العربية الرافضة للمشروع في إقناع بقية الدول المهرولة بحساسية القضية. فلا المغرب ولا الأردن ولا بقية الدول نجحوا في إقناع أطراف الصفقة بأنها تتم على حساب الأمة وعلى حساب مقدسات هذه الأمة وعلى حساب ملفات مصيرية قد تفجر المنطقة المشتعلة بأسرها. لكن يبدو أن محور التطبيع الجديد قد استنفد كل أوراقه في سبيل البقاء في السلطة والتشبث بالكرسي الذي تهدده ثورات الشعوب القادمة بقوة.
إن صفقة بيع القضية الفلسطينية والتطبيع الجاري على قدم وساق بين دول خليجية بعينها وعلى رأسها السعودية والإمارات وكذلك مصر ليست في الحقيقة إلا أحد تداعيات ثورات الشعوب المباشرة. لقد عملت قوى الثورات المضادة على سحق الانتفاضات الشعبية بالقوة العسكرية وعملت على قطع كل خطوط الإمداد الداعمة للشعوب فمولت انقلاب تركيا وحاصرت دولة قطر ودعمت كل الجيوش والمجازر الانقلابية وآخرها قوات الجنجاويد أو قوات الدعم السريع في السودان.
لكن كل ذلك لم يكن كافيا لتنال الدعم الدولي الذي يحميها من ثورات شعوبها مثل ما كان الأمر في سوريا التي حال النظام الدولي دون سقوط النظام فيها. كان النظام الدولي يعلم أن خيارات النظام الرسمي العربي محدودة وأنه لا يمكن له أن يستمر خوفا من الثورات الشعبية إلا بتقديم التنازلات بعد التنازلات وهي الفرصة النادرة التي استغلتها الصهيونية العالمية لتفوز بتفويض رسمي عربي يمنحها الأرض والقدس دون طلقة واحدة.
لكن كل هذه القوى أغفلت أن الجماهير الشعبية لم تقل كلمتها الأخيرة، وأنها لن تسكت عن بيع المقدسات حتى وإن بدت ساكنة تنتظر، كما أغفلت أن النظام الرسمي العربي قد بلغ مداه وأنه لن يستطيع الصمود أمام موجات التغيير مهما قدم من تنازلات.
بقلم: محمد هنيد

محمد هنيد