كتاب وأراء

صورة «بروفايلك» زائفة

للهروب من سقطة التعميم سأكتفي بكتابة «أمر لافت» وأعلن أن كل ما سيرد في هذا المقال أردت به التبعيض لا التعميم.
فقد بات لافتًا لي قدرتي على التعرف على مهنة طالب الصداقة من مواقع التواصل الإجتماعي من مجرد صورته على «البروفايل»، فكثير من طلبات الصداقة تصلني من كتاب، مفكرين، صحفيين، أدباء وشعراء معظمهم ناشئون، والشاهد انهم يجتمعون على صورة بروفايل واحدة وهي صورة المفكر المهموم الذي يضع سبابته على طرف حاجبه، فيما ابهامه تحت ذقنه، بينما يتكئ الخد على الخنصر، البنصر والوسطى، مع نظرة للمجهول أو لقطات أخرى لا تخرج من إطار الإستناد للرأس أو الإمساك بطرف العوينات أو الرمق من تحتها لسرقة انطباع أن صاحب الحساب مفكر عتيد يقدح زناد فكره أو يتفحص بإمعان عظائم الأمور.
أعلم أن الكاتب بعكس الممثل، لا يعنيه أن يكون وسيمًا وأفهم أن يكون غير معني بتقديم صورة جميلة عن مظهره ليظهر بمظهر المعنى بالجوهر، لكن يدهشني تصميمه على الإشارة للألماظة اعلاه وهي عقله.
كم تحرص هذه الفئة على أن تبدو أكثر من حرصها على أن تكون.
الحقيقة هي أن كلا من الممثل والكاتب يروجان لبضاعتهما: الأول لحركاته والثاني لعقله، فالممثل، المغني وراقص الباليه على دراية بأن رأس مالهم هو ملامحهم، هيئتهم وأوزانهم، ومن ثم فهم يرتادون المراكز الرياضية ويرفعون الأثقال ويخفضون الأوزان ويحقنون البوتكس ليكونوا أجمل.
وبالمقابل، فبعض الكتاب يودون أن يُؤخذ عنهم الانطباع الجاد، وكأن الدم ضارب في الرؤوس وكأن على وجوههم أمارات الحكمة للإيهام بأنهم يحتضنون سنبلة المعرفة التي ضاقت بها حقول الأبجدية فنبتت الحقيقة على محيّاهم.
هذه الصور المفتعلة للجدية كم تثير في القهقهة.
بالطبع هناك استثناءات عديدة صعب حصرها، منها صورالأديب الكبير د.أمير تاج السر والروائية السورية الشقراء«لينا هويان الحسن» والكاتب الكبير د.أحمد الخميسي، فهؤلاء يكتفون بنشر صورهم مبتسمة على البروفايل الخاص بهم.
المدهش أن بعض الكتاب الكبار لم ينجوا من هذه التمويه، إذ لم يكفوا عن ارسال رسائل مبطنة تفيد بأنهم لا يعنيهم الشكل والمظاهر، بل حرصوا على أن تكون هيئتهم مهملة كي يتأكد للقارئ أن الفيلسوف العظيم لا يهتم بالشكليات، حتى أن بعضهم سمح بنشر صور له بال«روب دي شمبر» أي بملابس البيت.
أراجع نفسي لأني أجدني بمنأى عن الصواب إن قارنت بين أساطين أدباء العرب وبين مدعين فكر ومحدثين أدب.
لكن يقينًا أَسْتقرئ حب الناس للادعاء من خلال صورهم لأنه من الأسهل أن تبدو بينما من الصعب أن تكون.
- من الصعب أن تكون ذكيًا، لكن من السهل أن تلتقط صورة تبدو فيها مفتوح العينين، حاذقًا، المعيًا، أريبًا، لبيبًا ولوذعيًا.
-من الصعب أن يكون محتواك أنيقًا، مُثقلًا، لكن من اليسير أن يبدو مظهرك من خلال صورتك بشيب براق غامض.. وكأنك تحتكر الحكمة بدليل شعرك الأبيض الذي يشير إلى تراكم خبرات الدهر عليك؟
-من الصعب أن تكون مثقفًا، مفكراً، عميقًا.. لكن ما أسهل أن تلصق كلمة الخبير الإستراتيجي على وظيفتك فتبدو، موسوعيًا.
-من السهل أن تصور نفسك في قاعة أمام ميكروفون تكتب عن نفسك الشاعر الكبير، فتبدو عليك مظاهر الشهرة والطلب، لكن من الصعب أن تكون شاعرًا حقيقيًا يلتقط المعاني ويصور اليأس من خلال غيمة لا يعبأ بها العوام.
-قد ترتدي بشت العلماء وتلتزم الصمت فيبدو عليك سمت العمق وتعلوك امارات الحكمة لكن من الصعب أن تكون بالفعل عاقلًا بإزاء أزمة.
-من السهل أن تبدو في صورة محاطًا بأصدقاء الواتس اب والفيس بوك، لكن من الصعب أن تفهم أن كيانك الحقيقي الحياة بين واقع أسرتك لا بين المتابعين الافتراضيين.
-من السهل أن تلتقط صورة تبدو فيها مختالاً بذاتك الخيالية التي تختال بها على الآخرين، لكن ما أصعب أن تدرك أنك بصورتك تلك إنما أنت سجين قبر أوهامك والأصعب منه أن تكون حقيقتك أفضل من صورتك الزائفة.
ربما لهذا الغرض خط الرومي هذه الأبيات ويكأنه كتبها لإيقاظ الواهمين من صور «البروفايل» الزائفة
:«اللهم إني سجين قبري بدني
هلم يا اسرافيل.. فانفخ في صوري
من أجلي.. حتى توقظني»
داليا الحديدي

داليا الحديدي