كتاب وأراء

انكشف المستور..!

ساعات قليلة كانت كافية لكشف المستور في بنيتنا التحتية، فتحولت شوارعنا المرصود لها مبالغ طائلة الى «بحيرات» وتحولت الأنفاق الى برك سباحة..!

فأمطار الخير التي هطلت على كل أرجاء البلاد كشفت الحالة الهشة للبنية التحتية وأعادت السيناريو الروتيني نفسه مع مواسم نزول المطر..!

هذه الأمطار هطلت وهي حاملة معها عدة تساؤلات، ورغم أنها تمثل دائما بشائر الخير والبركة والرزق للعباد والدواب، إلا أن هذه السحب أفرزت الكثير من علامات الاستفهام، رغم أنها من الظواهر الطبيعية التي يفترض أن تتكرر في كل عام ومكان ولا حيز جغرافيا لها، إلا أنها في واقع الحال كشفت ومع الأسف عن خفايا وثغرات في غاية الخطورة ولن نستطيع استقبالها ومواجهتها، ولا يمكن القول فيها إلا أنها مؤلمة ومحزنة ومخجلة، إذ كشف هطول الأمطار عن أمور عديدة لم تكن ظاهرة للعيان، وفضحت تلك الأمطار ما هو مدفون في باطن الأرض، مما شكل صدمة للكثيرين من حجم التقصير الذي وقع في التعاطي مع هذه الأحوال الطبيعية، اذ تعرقلت حركة السير، وتسببت بتعطيل المدارس والموظفين وكذلك ألحقت أضرارا بـممتلكات الدولة ايضا، ولو توقفنا أمام هذه الحالة بعين المتبصر والمتسائل، لوجدنا أنها كشفت عن العيب في البنية التحتية بسبب الاهمال والتقصير وغياب الرؤية والتخطيط الاستراتيجي لتأسيس بنية تحتية متينة وصلبة.

وكما هو متوقع وفي إجراء سريع وفعّال أصدر معالي رئيس الوزراء وزير الداخلية الشيخ عبدالله بن ناصر آل ثاني توجيهات بالتحقيق مع جميع الجهات المعنية والشركات المنفذة للمشاريع التي كشفت عيوبها الامطار، مما يثبت جدية الحكومة في محاسبة المقصرين والمهملين في عملهم.. فالدولة خصصت ميزانيات ضخمة للتنمية والتطوير العمراني كونها ركيزة أساسية ولن تقبل بمثل هذه الإخفاقات، وإن كنا قد نعذر بعض المشاريع التي لا تزال في طور العمل والانشاء، خصوصا ان حجم العمل الذي تشهده البلاد كبير جدا على مستوى البنية التحتية ويحتاج هذا العمل الى الوقت والصبر معا حتى يكتمل ومن ثم يتم الحكم عليه ولكن هناك مشاريع تم الانتهاء منها وصرفت عليها مئات الملايين مثل مطار حمد الدولي الذي يعتبر من ارقى مطارات العالم ولكن «الزين ما يكمل» بسبب أخطاء فنية سمحت بتسريب المياه من السقف، لتنزل مثل «الدش» على المسافرين ومرتادي المطار.. وبالتالي سقط هذا الصرح العملاق في أول اختبار حقيقي، وبدأ «يخر ماي»، فحتى ان كان في جزء من اجزائه ولكن هذا برمته امر غير مقبول ومرفوض تماما، ونضيف الى ذلك فندق الشيراتون الذي يعتبر واحدا من اقدم الفنادق في الخليج ولكنه اليوم وبعد ان جدد الفندق شبابه سقط هو الآخر أمام المطر وبدأ الماء يخرج من بين اجزائه ومثلهما المدارس التي صرفت عليها كذلك الكثير ولكن هي الأخرى رسبت في الامتحان مع زخات المطر.. فهل يعقل ان تكون مدارس طلابنا بهذه الهشاشة والاهمال؟. فهذه الامثلة التي تحتاج الى وقفة صارمة وحازمة كونها مشاريع أخذت وقتا وصرفت عليها مبالغ طائلة الا ان ما يحزننا ان نرى فيها عيوبا «تفشل» ناهيك عما حدث في بعض الفنادق والمولات من تسريب لمياه الامطار وسقوط للجدران، فهذه تتبع جهات خاصة، ولكنها تمثل واجهات سياحية، وان هذه الاخطاء في التصميم والتنفيذ قد تتسبب في كوارث، فماذا لا قدر الله لو سقطت اجزاء على المارة والمتسوقين وتعرض الناس للأذى؟ ولذا فان مثل هذه الجهات يجب أن تخضع لاشتراطات صارمة عند التنفيذ والا يترك لهم الحبل على الغارب خصوصا ان البعض يسعى الى الربح السريع على حساب الجودة والبعض الآخر يهمل الصيانة والمتابعة ولا يضع في الحسبان أبسط قواعد الامن والأمان.

لابد من وقفة حازمة مع النفس فلا نريد أن ندخل في النوايا ولكن الواقع يقول إنه بسبب غياب الرقابة والمتابعة واسناد المشاريع الى شركات غير مؤهلة من الباطن والاستعجال في بعض المراحل للحاق بحدث معين أو تاريخ محدد وغياب المحاسبة والصيانة الدورية كل ذلك من اسباب سقوط بعض المشاريع في اختبارات الجودة!

هطول الأمطار كشف المستور وأظهره جليا وفتح الأعين على المخاطر التي تكمن عند عدم وجود غرفة عمليات فاعلة لإدارة الأزمات للتعامل مع مثل هذه الأحداث الطبيعية، ويبدو اننا نمتلك المال وحده وتنقصنا الخبرات وغياب الاستراتيجية لأي مشروع مستقبلي، فأغلب المشاريع التي شاهدناها على الورق والاسكتش زاهية الألوان وروعة في التصميم ولكن على الارض تصطدم بسوء تنفيذ، مما يجعلها تتحول إلى خدع بصرية وليست مشاريع مثالية !

ان هذا يحدث كل موسم وخصوصا واننا لا زلنا في البداية والامطار مرشحة للزيادة والهطول بكميات اكبر.

أسئلة كثيرة تتزايد كلما أمعنا النظر بشوارعنا وأنه آن الأوان لوضع حد لهذا العبث بالبنية التحتية، فتنفيذ رؤية قطر 2030 يحتاج لتفعيل أدوات الرقابة والعمل بمبدأ الثواب والعقاب ومساءلة كل مقصّر بمسطرة القانون، وليس إلى مجرد أقوال واستعراض اعلامي لدى الكثير من المسؤولين! فالمطلوب إذن وعلى وجه السرعة افعال ومحاسبة النفس على الاخطاء وعمل كبير ومتابعة واشراف ومصارحة وشفافية ورقابة ومكاشفة عند وجود السلبيات حتى يمكن تفاديها بسلام.. وإلا فإننا سنبقى أسرى للشعارات والكلام..!

محمد المري