كتاب وأراء

هل ينجرف العالم نحو اليمين؟

لا يوجد في هذا العالم شيء إلا ومعه نقيضه. الخير والشر، الجمال والقبح، العلم والجهل، النور والظلام وثنائيات عديدة يخلق التضاد بينها حركة الكون. ومن الثنائيات السياسية الشهيرة ثنائية اليمين واليسار. تلك الثنائية التي شهدت هزيمة كبرى لليسار بسقوط الاتحاد السوفياتي ودفعت العالم إلى الدخول في حالة اضطراب جديدة كبرى. فمن وقتها وتشبيك أرجاء الكون تتسارع بفعل العولمة. وبرغم المكاسب التي يجنيها الناس من تلك العملية إلا أن أكثرهم بات يخشى على ثقافته وقيمه وأمنه واقتصاده من تهديدات تأتي من وراء الحدود.
وقد حركت تلك التهديدات كثير من الناس للبحث عن الحماية فيما تطرحه قوى اليمين. فهي تقترح عليهم رفع الحواجز التي حطمتها العولمة وطرد الأجانب والعودة إلى السياسات الحمائية وتفضيل العزلة على الإندماج. ونماذج صعود اليمين عديدة حول العالم. في ألمانيا أسس حزب «البديل» برنامجه على شعار «لا لأسلمة ألمانيا». زعيمه «بيورن هوكي» أعلن أن حزبه لا يعمل فقط على وقف بناء المساجد وإنما يهدف إلى استعادة كل الأراضي الألمانية التي يمتلكها مسلمون. إسرائيل انتعش فيها اليمين المتزمت بوضوح عكسته تحذيرات مركز «إصلاح الدين والدولة» من منظمة «لاهافاه» التي يحرض زعيمها المتشدد «بنتسي غوفشين» علناً ضد العرب وتبث منظمته كل 27 دقيقة دعوة صريحة لقتلهم وحرق دور عبادتهم. ولم تكن إعادة «أفيجدور ليبرمان» إلى الحكومة الإسرائيلية مؤخراً إلا دعماً لقوى اليمين التي يقودها «نتانياهو».
وفي الولايات المتحدة يقدم «دونالد ترامب» نموذجاً لليمين الأميركي حيث اقترح بصفته مرشحاً رئاسياً بناء سورين إذا تقلد الرئاسة أحدهما على الحدود مع المكسيك والآخر في وجه المسلمين. أما في أوروبا فخرجت أصوات عديدة تحذر من عودة اليمين من بينها وزير الخارجية الألماني «فرانك فالتر شتاينماير» الذي نبه إلى مخاطر إيقاظ النزعة القومية المتطرفة التي سادت أوروبا في القرن التاسع عشر بتشجيع الأوروبيين على الإنعزال عن بعضهم والاستغناء عن الاتحاد الأوروبي بحجة الأزمات المالية وتدفق المهاجرين بالذات المسلمين. وتحذير «شتاينماير» يأتي في سياق أوروبي بات يميل نحو اليمين. بلجيكا مثلاً شهدت تأسيس منظمة بإسم «المدن ضد الأسلمة». وفرنسا خرج فيها زعيم الجبهة الوطنية المتطرف «جان ماري لوبان» بإقتراح لتطهير أوروبا من المهاجرين في ثلاثة أشهر بالاستعانة بفيروس إيبولا. وفي الدنمارك حصد حزب «الشعب» اليميني المتشدد 21% من مقاعد البرلمان في 2015 ليصبح ثاني أكبر الأحزاب السياسية. وفي اليونان تمكن حزب «الفجر الذهبي» من أن يصبح ثالث أكبر قوة سياسية بفضل استعدائه للمهاجرين. وفي هولندا يواصل «خيرت فيلدرز» زعيم حزب «من أجل الحرية» مكاسبه في البرلمان معتمداً على تخويف الهولنديين من أن تتحول أوروبا إلى ملحق بالجزيرة العربية. وتلك ليست إلا أمثلة على حالة عامة تعرفها تقريباً كل الدول الأوروبية.
وهناك أسباب عديدة تقف وراء زحف اليمين بهذه السرعة من بينها العولمة وزيادة الإندماج على حساب الخصوصيات الدينية والوطنية. ومنها كذلك موجات الهجرة التي تؤثر على النسيج الثقافي والاجتماعي في كثير من الدول. تكفي الإشارة مثلاً إلى أن عدد المهاجرين الذين وصلوا في 2015 إلى إيطاليا واليونان وحدهما بلغ 550.000.
لكن صعود اليمين يجب أن يقرأ على ضوء خلفيات قد توضح إلى أين يمكن أن تتجه هذه الظاهرة:-
1) أن اليمين تعلو أسهمه كلما اضطربت العلاقة بين الحضارات ويتراجع كلما اتسعت أفاق الانصهار بينها. والعمليتان معاً، الاضطراب والانصهار، ما زالتا مستمرتين.
2) أن اليمين يعود من جديد ولا يظهر للمرة الأولى ما يؤكد على أنه ليس اتجاهاً مستمراً وإنما يعتبر مجرد مرحلة.
3) أن اليمين ليس كتلة واحدة وقضاياه ليست متطابقة. فهناك يمين ينشغل باستعادة الماضي مثل الحركات الدينية والنازية المتشددة. وآخر يتفرغ لمعاداة الإسلام وثالث يقف بالمرصاد في وجه المهاجرين.
صحيح أن صعود اليمين بات يمثل ظاهرةً ملفتة لكنها ليست نهاية التاريخ ولن تكون إلا جزءً من صراع الأضداد الذي دفع وما يزال يدفع عجلة التاريخ. قد يستمر صعوده لفترة ليبدو العالم كأنه انجرف نحو اليمين إلا أن قانون التعادل سيفرض على اليمين في الغد تحديات تعوقه كما تقدم له اليوم فرصاً تحفزه.
بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات