كتاب وأراء

القهوة
في محاكمة مبارك!

جميعنا نختلف في الكثير من الطبائع والصفات والعادات، إننا لا نتشابه وحتى إن افترضنا ذلك، أحياناً تشتري نفس عطر زميلك ولكن ما أن تضعه على جسدك حتى تختلف الرائحة، وهذا انطباع يسهل عليك إدراك مفهوم الاختلاف بينك وبين الآخرين، فما بالك بالعقائد والمذاهب وطريقة تعاطينا للحب مثلاً مع أوطاننا، دائماً هناك قيم تختلف بيننا وبين الآخرين، حتى أننا لا يمكن أن نكون متكافئين في ميزان المحاكمة، رغم وجود الكثير من التشابه، الذي لا يدعونا حتى لاستخدام العدسة المكبرة للتأكد من ذلك بأنفسنا.
وعلى سبيل المثال، في شهر رمضان ينحو جميع المسلمين على وجه الكرة الأرضية لممارسة الصيام كأمر إلهي رباني، ولكن يختلف كل منا في طريقة تغييره للروتين الذي كان عليه، لذا، تجد كل شخص لديه الطريقة والموهبة في كيفية تحريك روتينه بالطريقة التي تليق به، ولكني هذه المرة كنت أفكر بالقهوة رغم أنني لست من الشغوفين بها، وربما رشفة أو رشفتين وتنتهي المسألة بالنسبة لي، لكني كنت أفكر بهؤلاء المدمنين على شرب القهوة أو مزّ السجائر، ففي شهر رمضان المبارك معظم الناس لا يفتقدون شرب الماء أو مضغ الطعام، وإنما يفتقدون ممارسة تلك العادات التي عبأت حياتهم طوال 11 شهراً، وحان الوقت لكي يجروا تغييراً حقيقياً بها، كتأكيد على أنه لا شيء لا يمكننا الخلاص منه مطلقاً، فهذا الشهر الرحيم الكريم المليء بالمغفرة شهر تطبيقي لمعنى قدرة الإنسان وسلطته على نفسه من دون نصائح أو إرشادات.
وأود هذه المرة أن أتحدث عن القهوة، نظراً لأنها أشهر مشروب ساخن على وجه الأرض، ويحمل شهرة واسعة وكبيرة، وبما أنني قد لاحظت كيف بدأ الصائمون يتخلون عن وجودها مؤقتاً ولساعات معدودة، فأردت أن أتعرف أكثر على ميول بعض الأفراد وطريقتهم في شرب القهوة، فلكل شخص عادته وأهدافه في شرب القهوة، حتى وصل البعض منهم إلى أنه قرر أن هناك علاقة تربط ما بين المرأة والحب والقهوة، يميل البعض لشرب القهوة على مهل كما يفعل أستاذي التونسي خريج السوربون مع قهوته المفضلة الإسبريسو، حينما كان يتمم دراسته العليا في باريس، وآخرون لا يتناول قدحاً من القهوة إلا في الصباح فقط كرئيسي في العمل، والبعض يشربها دفعة واحدة، والبعض يحبها على الريحة، والآخر يحبها ثقيلة كأختي مدمنة القهوة، والبعض لا يستطيع الدخول في حوار، من دون أن تكون القهوة رفيقته، فيما البعض الآخر يحبها تركية وصديقه لا يشرب القهوة إلا بعد أن يتفحص البن، وآخرون لا يطيقون شرب القهوة إلا في فنجان صغير، والبعض يشربها في قدح كبير، وثمة نساء يشربن القهوة لفك الرموز وطلاسم الفنجان، وهكذا، نحن نمارس ذات العادة، لكننا نختلف في الكثير من التفاصيل التي لا تتقاطع مع بعض أفكارنا، وأجد أن أشهر موقف شاهدته قبل فترة، حينما ظهر الرئيس الأسبق لمصر محمد حسني مبارك على شاشة التليفزيون أثناء محاكمته، وهو يتناول قدحاً من القهوة، ويقال إن إمبراطورة روسيا كاثرين العظمى كانت تشرب 5 أكواب من القهوة عند الفطور فقط، لحبّها الشديد للقهوة، وكان الروائي الفرنسي الشهير HONORE DE BALZAC يحتسي 50 فنجان قهوة يومياً، ويمضي أياماً عدّة بلا نوم، حتى أنه لم ينم سوى قليل أثناء كتابته تحفةLA COMEDIE HUMAINE، بينما الفنانة الأسترالية الأصل نيكول كيدمان، تبدو جدّية جداً حيال طعم القهوة المفضلة لديها، فهي تختار على الدوام الكابتشينو بثلاث طبقات من القشدة الرطبة.
وهكذا نحن نختلف عن الآخرين في تفاصيلنا الصغيرة، حتى وأنا كنا نتشارك معهم في ذات الرغبة.
بقلم : سارة مطر

سارة مطر