كتاب وأراء

المعارضة السودانية المسلحة
وصافرة النهاية

على صفحته بـ(الفيسبوك)، كتب منِّي أركو مناوي أحد قيادات حركات دارفور المتمردة على سلطة الخرطوم، كلاماً غامضاً فيه كثيرٌ من التهويمات والإشارات والتشبيهات الغريبة والمُريبة، عن الاجتماع المُزمع عقده بأديس أبابا لقوى ما يُعرف بنداء السودان، وهي قوى عسكرية وسياسية مناهضة للحكومة السودانية.الحركة الشعبية التي يقودها الثلاثي مالك عقار وياسر عرمان وعبدالعزيز الحلو، أصدرت بياناً عبر ناطقها الرسمي مبارك أردول لا يقلُّ غموضاً عن حديث أركو مناوي، قالت فيه إن الغرض من البيان منع التشويش على اجتماع نداء السودان، وإنها ستجتمع مع المبعوثين الدوليين في أديس أبابا، لا لمناقشة خريطة الطريق المقدمة من ثامبو أمبيكي لإنهاء الحرب في السودان، ولكن لتناول مواضيع أخرى!
أما السيد الصادق المهدي زعيم حزب الأمة، فقد أرسل رسالة أكثر وضوحاً من بوست مناوي على (الفيسبوك) وبيان أردول؛ فالصادق المهدي مع عقد الاجتماع والتعامل بصورة إيجابية مع أمبيكي لكسب جانبه، وعدم استعداء الدوائر الدولية المُؤثِّرة.
جاء في بيان السيد الصادق المهدي، الذي حملته الوسائط الإعلامية الأسبوع الماضي، أن بندي السلام والتحول الديمقراطي في السودان رهينان بوفاء جميع أطراف الأزمة السودانية باستحقاقات الحوار الوطني. ويرى المهدي، أن البديل للحوار كمفتاح للأزمة هو الانتفاضة الشعبية.
رُبَّما ما يُقلق حلفاء الصادق المهدي أكثر من تبنِّيه خطاً إيجابياً في التعامل مع خريطة الطريق المقدمة من أمبيكي، ثناؤه المُتكرِّر على توصيات مؤتمر الحوار الوطني المنعقد بقاعة الصداقة في قلب الخرطوم.
مصادر موثوقة قالت إن دونالد بوث، المبعوث الأميركي، أرسل دعوةً غير رسمية إلى كُلٍّ من السيد الصادق وعرمان وعقار ومناوي وجبريل في أديس أبابا، بين (16) و(18) يوليو، في رسائل منفصلة للِّقاء بهم، لتبادل المعلومات حول عدد من القضايا، على رأسها عملية السلام. ونفس المبعوث كان قد زجر جميع قيادات المُعارضة، في اجتماع باريس الأخير، بلُغة حاسمة قائلاً: (فشلنا في لَمِّ شملكم، وهذا آخر اجتماع نساعد في تنظيمه، كما إن الحكومة السودانية اتخذت خطوة مُهمَّة بالتوقيع على خريطة الطريق)؛ وبحد تعبيره: (عليكم أن تذهبوا الآن، وتبحثوا عن أمبيكي أينما كان، والتوقيع على الخريطة).
من الواضح أن المُجتمع الدولي في هذه المرَّة حريصٌ على إنهاء بؤر الحرب والنزاع المُتعدِّدة في السودان، وإغلاق الباب أمام أيِّ مسعىً لخلق حالة اضطراب في هذا الوطن ذي التأثير البالغ على الأوضاع في المنطقة العربية والإفريقية.
الآن في أولويات القوى الدولية مشاريع مكافحة الإرهاب، ومنع تدفقات المهاجرين إلى الدول الغربية، مقدمةٌ على أي قضايا أخرى.
الاستراتيجية الجديدة لتعامل الدول الغربية مع الملف السوداني، ضيَّقت هامش المناورات للحركات الحاملة للسلاح التي تُريد عبر السلاح فرض واقع سياسي جديد.
المؤسف أن الأزمات السودانية فتحت باباً واسعاً للاستثمار ولبزنس الحرب؛ فهناك جهات عدَّة، دولية ومحلية، تتعاظم مصالحها في استمرار أوضاع عدم الاستقرار، وبقاء الوضع في منزلةٍ بين المنزلتين، بين الحرب والسلم.
هناك سياسيون يبحثون عن المناصب، وما يترتَّب عليها من مكاسب مالية ومعنوية، وعسكريون يجدون في هذه الحالة المُلتبسة، وضعاً صالحاً للسلب والنهب وبيع الولاءات، ومنظمات تستفيد من الحالة في جمع التبرعات واستدامة الدعم، ومثقفون وأنصاف متعلمين تصبح عندهم حروب السودان بطاقةً رابحةً في نوافذ اللجوء السياسي وبرامج إعادة التوطين بالدول الغربية.
كل المؤشرات تقول إن هذا السوق قد أُغلق، وإن صافرة الختام قد أُطلقت، ولا يوجد خيار سوى الحوار للتوصل لتسوية سلمية تُحقِّق الحد الأدنى لمطالب الجميع.
بقلم : ضياء الدين بلال

ضياء الدين بلال