كتاب وأراء

هل آن للمعارضة السورية أن تتقاعد؟!



لا يبدو أن السنوات الطويلة التي مرت على انطلاقة الثورة السورية تركت تأثيرا إيجابيا على أداء المعارضة السياسية السورية، في البداية كان يمكن تبرير أخطاء المعارضة بأن السوريين عموما لم يعتادوا على العمل الجماعي، وأن التفريغ الذي اشتغل عليه النظام في المجتمع السوري، والانعدام الكامل لأي عمل مدني وسياسي خلال خمسين عاما سيجعل السوريين يتخبطون في أدائهم السياسي ريثما يعتادون على العمل المؤسساتي المنظم، وعلى العمل الجماعي المنتج، غير أن ما تظهر عليه المعارضة السياسية اليوم، سواء في مؤسساتها أو في لجانها التفاوضية، أو في بياناتها وتصريحاتها، يؤكد أن الأمر يتجاوز نظرية ما فعله النظام في المجتمع السوري ليمتد إلى بنية المعارضة نفسها وما تريده من سوريا وثورتها ولها.
ولعل الحديث عن الأخطاء السياسية القاتلة للمعارضة السورية خلال السنوات الماضية لم يعد مجديا الآن بعد أن خرج الوضع السوري من أيدي السوريين، معارضة ونظاما، ليصبح بين أيدي اللاعبين الكبار من دول العالم ودول الإقليم، غير أنه لا بأس من التذكير ببعض تلك الأخطاء لعل معجزة ما تحدث ويستطيع السوريون استعادة قرارهم، وبالتالي استعادة ثورتهم سوريتهم الآيلة للفناء.
فمن المعروف أن لا ثورة في بلاد تشبه بلادنا يمكنها أن تنجح وتحقق أهداف مفجريها دون احتضان دولي لها، وهو ما يعطي المبرر للمعارضة السورية في اعتمادها على المجتمع الدولي منذ تأسيس المجلس الوطني، غير أن احترام العالم والرأي العام العالمي وحكام المجتمع الدولي لأي قيادة سياسية معارضة لنظام حكم يشبه نظام الأسد في إجرامه، يحتاج إلى شروط كثيرة لم تتوفر في المعارضة السياسية السورية، إذ لم تستطع هذه المعارضة أن تتجاوز خلافاتها لتشكل جسما واحدا يتقدم بقوة إلى المجتمع الدولي، لم تستطع الاتفاق على رؤية سياسية مشتركة وواضحة الأهداف، بعيدا عن الخطب الإنشائية الممجوجة حول الأيدي الملوثة بالدماء والنظام المجرم الطائفي وإلى ما هنالك من هذا الخطاب الذي لا يمت للعمل السياسي بصلة، لم تستطع هذه المعارضة أن تفهم حساسية الرأي العام العالمي تجاه التطرف الإسلامي المتمثل بفكر القاعدة، والذي تبنته غالبية الكتائب المسلحة في سوريا، بل أصرت على اعتبار جبهة النصرة، فرع القاعدة في سوريا، جزءا أساسيا من نسيج الثورة السورية متحدية بذلك القرار الدولي بوضع القاعدة تحت قوائم الإرهاب، فخسرت بذلك تعاطفا شعبيا عالميا، وأعطت للنظام العالمي الحاكم ذريعة ذهبية للتمسك ببشار الأسد ونظامه رغم كل جرائمه وفظائعه.
لم تستطع هذه المعارضة إنتاج خطاب وطني جامع يعطي الدليل للمجتمع الدولي أن مستقبل سوريا بكل مكوناتها سيكون آمنا وعادلا، لتسحب من هذا المجتمع ورقة حماية الأقليات التي يتاجر بها، بل قدمت، في غالبيتها، خطابا تحريضيا طائفيا تقسيميا، ووسمت الثورة بما اشتغل النظام منذ اللحظات الأولى على وسمه بها.
والأهم من كل ما سبق هو خضوع كل فئة من هذه المعارضة لأجندات الدول الحامية والداعمة لهذه الفئة أو تلك، مما جعل الخطاب التخويني الذي تتوجه به كل فئة ضد الأخرى هو السائد، وجعل من الوطنية السورية بندا أخيرا لا يتم الالتفات له إلا لماما.. بعد كل ما سبق، ألم يحن الوقت لتقاعدها وإفساح المجال لجيل شاب اكتسب خبرة العمل السياسي والمدني خلال السنوات الماضية ليتقدم نحو الصف الأول؟
بقلم : رشا عمران

رشا عمران