كتاب وأراء

رسالة من زوجة ثانية

وصلتني رسالة من قارئة تطلب مشورتي كونها زوجة ثانية لرجل له أولاد ومتزوج من سيدة تصفها بالمسنة.. وتقول الراسلة إن الزوجة الأولى قررت الانفصال بالأولاد- دون طلاق- بمجرد تأكدها أن زوجها سيقترن بأخرى، علمًا بأن الزوج متكفل ماديًا بنفقات أسرته الأولى. وتوضح أنها مكتفية بحق العيش معه فهو رجل طيب لكن زوجته الأولى لم تفهمه. وتؤكد أنها تحضه على إقامة الفرائض كما لا تظهر ضيقاً من إنفاقه على أبنائه، لكن المشكلة ظهرت حينما علمت أن الزوجة الأولى (المُسنة) حامل!
إذن لم يحدث انفصال لا حقيقي ولا شكلي كما كانت متخيلة، ثم أنها تستشيرني في التخلص من غريمتها لأنها مترددة في طلب الطلاق خشية تقريع أهلها لها الذين حذروها من الاقتران برجل متزوج سيما أنه كذب عليها ببداية التعارف وأخبرها انه أرمل ريثما تعلقت به!
وإليكم ردي على الزوجة الثانية..
الأخت المحترمة:
لقد دافعت عن حق العيش مستندة على إباحة الشرع للتعدد، لكن هل فكرت لو أن هناك عروساً ثالثة تريد استخدام الذريعة ذاتها للاقتران بزوجك؟
هل سترسلين نفس رسالتك حين يتزوج زوجك الثالثة ليعيش سعادته باستخدام الشرع؟ وهل سترضين بالنفقة المادية التي سيستقطع منها حرمانك من بعض حقوقك بثمن وقدره؟ وساعتئذ علينا أن نشكر الثالثة لأن زوجها بات يواظب لا فقط على الفرائض، بل على النوافل، كونها وضعت لمساتها الإيمانية على زوجك؟ وكيف تفسرين حنقك بحبل ضرتك التي أردتِها مسنة، مهجورة أو معلقة؟
أنت لا تفكرين سوى في نفسك ولو على حساب إنسانة تصفينها بالمسنة، عاهدها زوجها على الإخلاص ثم كذب عليكما مدعيًا أنه أرمل وخدعها مدعيًا أنه وفي ثم تبين أنه كذوب أشر.
أفٍ لكذبه ولأنانيتك ثم تنشدين مؤازرتي لظلم ضرتك التي كنت تحسبين أن وجودها شكلي لتربي العيال بأجرة، ويزين لك شيطانك أنك العروس ذات القلب الرؤوم المحض لزوجها على بر عياله. إذًا، فالمفروض أن ندعو لك، فطيبة قلبك تحثك على ترك ضرتك تأكل عيشاً؛ لأن هواك أقنعك أنك رمانة الميزان التي استقام بها البيت الأول.
ولنفرض أن الرجل كما تصفينه طيب، لكن ما الداعي لطعن ضرتك في كفاءتها كزوجة بالقول إنها أخفقت في إسعاده؟ ومن أخبرك أنها سعيدة معه؟ ما يدريك لعلها عاصرة على نفسها حامض الشام ليستقيم البيت؟
أما أنني لا أُحل حرامًا ولا أُحرم حلالاً ولا يحق لي القول إن الزواج الثاني حرام. كيف إذن وهو حلال بنص قرآني؟ لكنه حلال بغيض، كما الطلاق، حلال لكنه أبغضه عند الله، فبالنسبة للزوجات، تعتبر الزيجة الثانية حلالاً بغيضاً لأنه يضر بمصالحها ومشاعرها، لدرء وقوع الزوج في الفاحشة.
ثم ما أشد أنانيتك وأنت تتحدثين باسم الحب الذي كان مفترضاً أن يكون من نصيب زوجته الأولى، لولا اقتحامك كسهم القضاء للفتك بمصير إنسانة أخرى، في حين لو كان وجد صداً جاداً منك، لكان عاد لبيته.
لقد بنيت سعادتك على أشلاء تعاسة أسرة، ثم تمنين عليهم بنفقة أبيهم لكونك كنت واهمة أنه مخصوم منها مصروف الجسد والمشاعر.. ثم تثبت لك الأقدار أن المخادع لم ينفصل عن الأولى.
لقد كنت سعيدة لكونك كنت تحسبين أنك مفضلة لا مفضل عليها، زوجة حقيقية لا مهجورة.
سعيدة كونك توهمت أنك محظية لدى الزوج، أما الأولى فهي المهملة التي يتعاطى معها في إطار عمل الواجب لرفع العتب الاجتماعي من على كاهله.
سعيدة لكونك تحسبين أنك تحصدين المشاعر والدلال والتقدير، أما المسكينة فلها الأعباء،العيال، التربية وأرطال من الصبر.
وإذا بالسحر ينقلب على الساحر وقد راحت السكرة وجاءت الفكرة، وشرع الخوف يتسلل لنفسك بعدما تأكد للجميع أن ضرتك ليست مسنة وأن أيامك باتت معدودة، فبت تفكرين في خروج مشرف ليس إلا.
وبما أنك طلبتِ مشورتي، فأوصيك بالعودة لأدراجك وترك الزوجين المسنين في سلام، فالحياة ما زالت أمامك فاسعي لتحقيق سعادتك، لكن حذارِ من الدعس على الآخرين.

بقلم- داليا الحديدي
كاتبة مصرية

داليا الحديدي