كتاب وأراء

رمضانيات 1

الصيام دورة إيمانية مكثفة مدتها 30 يوما تتواتر كل عام لتغسل النفس الإنسانية والجسد البيولوجي من كثير من الشوائب، وأعتقد أن الصيام تكنيكيا هو توقف مؤقت لجميع الشهوات تعبدا لله عز وجل، بالإضافة إلى أننا في هذا الشهر نمارس رياضات ايمانية متنوعة كالذكر وقراءة القرآن والصدقة وغيرها من أبواب الخير العريضة التي يزيد فيها أجر المحتسب بإذن الله تعالى في رمضان عن غيره من شهور السنة، كما أننا لا ننكر أن اقتطاعنا من ساعات العمل طيلة نهار رمضان العطش هي كذلك نوع من الطاعة التي نحتسب أجرها عند الله تعالى، وبكل صدق كثير من الشاهدات المؤسفة في حياتنا خاصة مع دخول رمضان في فصل الصيف نجد أن البعض يلتزم المنزل ولا يفارق النوم والكسل والخمول ويحيد إلى أخذ اجازته السنوية في هذا الشهر المبارك حتى يرتاح من وطأة الحرارة والعطش والتعب الذي يتزامن مع الصيام، مؤجلا كل نشاطاته البدنية إلى فترة ما بعد الافطار التي هي بحد ذاتها فترة توصف بكافة مظاهر الخمول، وعليه يفقد النهار بطوله ويفقد اغلب الليل في خموله حتى يستفيق من صدمة الافطار النهمة!
إنها ليست المرة الأولى التي يتعرض أحد دعاتنا إلى شيء من الاستهزاء والسخرية، فطالما تعرضنا لأشكال متنوعة من هذا الاستهزاء «ونحن لا ندري» في المسلسلات والمسرحيات والقفزات السريعة في البرامج الحوارية التي تنال من صورة الإنسان المسلم المتدين والملتزم، كنا لا ندري من أي منا يستهزئ هذا أو ذاك، كنا نضحك «فحسب» لكن هناك سموما كانت تندس تحت جلودنا ونحن لا ندري، أن أكوام المواد الاعلامية التي أحاطتنا عبر سنوات تشكيلنا الأول حتى الآن شكلت صورة معينة للداعية وقد تقبلنا مع الأيام أن نشاهد مشهدا للممثل «س» يقلد فيه المأذون فمثلا يظهره على انه رجل ساذج غير متحضر الخ، هذا فقط للتوعية اننا منذ زمن بعيد يتم الاستهزاء بنا وبدعاتنا من حيث ندري ومن حيث لا ندري، ولله الحمد فقد وفقت امتنا في العقود الأخيرة أن نشأ بها جيل من الدعاة المعاصرين ركزوا في خطابهم الديني على الحوار والوسطية والاعتدال وقد نشأ لدينا من جديد نوع من الصحوة الإسلامية في زمن تعددت فيه مصادر الفتن، وان كان هذا الاستهزاء «الشنيع» لهؤلاء المشايخ عبر الزمن قد نبهنا إلى شيء فالأولى أن ينبهنا إلى أن لا نتهاون من اليوم فصاعدا عن كل مضمون ساخر لصورة المسلم «داعية، إمام، فرد، مأذون وغيره» وأن نقف وقفة جادة لكل من يلوح بذلك مجددا من قريب أو بعيد، ولدي في هذا المقال والمقام كلمة: أن الكوميديا ليست في البهدلة والتشويه والتهريج، على الكوميديا أن تقدم هدفا فنياً أو رؤية نقدية، أو حتى في أبسط الأحوال تقدم صورة فكاهية، فتشويه الشخصيات والبهدلة في الحركات والملابس والإكسسوارات ما هو إلا إجراء يدل على عدم الثقة في إمكانات الممثل لإضحاك الناس وفقر في الإمكانيات الإخراجية غير المتمكنة من إدارة العمل الكوميدي.
في الحقيقة آلمني منظر جديد «اخشى أن يتحول إلى ظاهرة» في مجتمعنا، وذلك حينما صادفت لأكثر من ثلاث مرات لثلاث زيارات متفرقة لأحد المولات الكبيرة في الدولة أطفالا يتجولون بين الزوار يسألونهم التصدق عليهم بمبلغ من المال ولا ينفكون عنهم حتى يتسلموا بضع ريالات، وقد كنت أسأل من حولي من الاصدقاء والاهل هل فعلا صادفوا ما صادفت ام أن الحالات هذه كانت عابرة امامي «رغم تكرارها لثلاث مرات متفرقة» فلم يكن الا أن أكد لي «الاغلب منهم» انهم بالفعل صادفوا هؤلاء الاطفال وتخلصوا منهم بعد مقاومة الأطفال، فمنهم من دفع سريعا «مبلغ التسول المطلوب أو الصدقة» ومنهم من وبخ واستفسر عن سبب هذه التصرفات «كما فعلت» ومنهم من صمت كأن ليس أحدا يشير اليه بل يمسك يديه متمسكنا كي يدلف اليه بأي مبلغ، وهؤلاء عانوا اكثر فهؤلاء لم ينفك الأطفال عنهم سريعا!
لأسباب كثيرة، منها الفقر والمرض والبطالة وغياب الوعي الديني، انتشر سؤال الناس وطلب الصدقات في الطرقات والميادين وأمام المساجد وفي المواصلات... إلخ.. وتحول هذا الأمر إلى ظاهرة خطيرة، ليست قصرا على المحتاجين فحسب، بل واستغلها كثير من القادرين على الكسب من الرجال والنساء والأطفال على حد سواء.. حتى أضحى «التسول» في بعض البلاد حرفة ومهنة لدى ضعاف النفوس ومحترفي التنطع والكسب الرخيص.. ومن المؤسف أن يتخذ البعض من مظاهر التدين الزائفة أو الطفولة أو العجز ستارا لاسترقاق قلوب المارة واستدرار عطفهم، والعجيب أن أحدا لم يعبأ بخطورة هذه الظاهرة، ولم يعرها الاهتمام المطلوب، بل أحيانا نجد بعض المنكرين لها سرعان ما يستجيبون لابتزاز المتسولين ويقعون فريسة لحيلهم وأكاذيبهم المفتراة، بدعوى أن الإسلام يدعو إلى عدم رد السائل ولو كان يمتطي جوادا، وما بين «السائل» و«المتسول» خيط رفيع لا يكاد يراه أحد للوهلة الأولى.. فكم من أناس ظنناهم فقراء معوزين، ولما انتهت أعمارهم فوجئنا بهم يخلفون وراءهم ممتلكات ومئات الآلاف من الريالات، وكم من أناس حسبناهم من الأغنياء، وواقع حالهم يؤكد أنهم أقرب إلى العوز والفقر، غير أنهم يتعففون، الأمر الذي يضعنا في مسؤولية كبيرة أمام الله، لكيلا نكون شركاء في هذه الآفة المدمرة والظاهرة المقيتة (التسول) التي تبتز الأغنياء وتحرم الفقراء والمحتاجين.
اللهــم تقبل منا الصيـام والقيـام وقراءة القـرآن، اللهم اجعل قلوبنا تخشع من تقــــــواك، واجعل عيوننا تدمع من خشيتك، واجعلنا يا رب من أهل التقوى وأهل المغفـــرة.

بقلم : خولة مرتضوي

خولة مرتضوي