كتاب وأراء

رجل الشارع الأميركي.. من التململ إلى التمرد

هل دخلت أميركا نفق أزمة حقيقية؟
هذا السؤال تردد من جانب أكثر من محلل سياسي في الولايات المتحدة وأوروبا. وهم قد استخدموه في إطار تحليلهم لمسار السباق الانتخابي للرئاسة، والذي قفز فيه دونالد ترمب إلى مقدمة السباق، كمرشح رسمي للحزب الجمهوري، رغم عدم اقتناع القيادات التقليدية للحزب ووجود اتفاق جماعي على عدم خبرته السياسية. وأنه يمكن أن يمزق الحزب. وأكثر من ذلك هناك احتمال في أن يؤدي فوزه إلى قلب القواعد المستقرة التي تحكم عمل النظام الحزبي في الولايات المتحدة، خاصة ما يتعلق بالحزب الجمهوري.
وعلامات الأزمة، يوحي بها استسلام الحزب الجمهوري، لتقدم ترمب في الجولات الانتخابية، وخشية من أن تترك الساحة للمرشحة الديمقراطية المنافسة هيلاري كلينتون. وبعد أن تأكدت قيادات الحزب من فرصة ترمب في الفوز بترشيح الحزب له.
ومعنى هذا الاستسلام من الحزب الجمهوري أن زمام التحكم في رجحان كفة المرشح الذي يفوز، بدأ يخرج من يد مؤسسة الحزب ذاتها، خاصة أن سباق الترشح للرئاسة كان ينتهي إلى تنافس بين مرشحين للحزبين الجمهوري والديمقراطي، والاثنان لا يختلف أحدهما عن الآخر جوهرياً، في أيديولوجيته السياسية، وتعبيره عن مبادئ أساسية لا يخرج عنها الفكر السياسي الأميركي، وهو ما لا ينطبق على ترمب.
وفي العادة كانت نتائج الانتخابات في أميركا، سواء على مستوى الرئاسة أو الكونجرس، مقوقعة عادة إلى حد كبير، وظل الحزبان لأجيال متتالية، ينضويان تحت مظلة مبادئ متقاربة.
صحيح كانت تظهر خلافات حول السياسة الخارجية، في ولاية المرشح الذي يفوز، بالنسبة لمن سبقه، أو من كان ينافسه، لكنها لم تكن تخرج عن مبادئ المدرستين الرئيستين في السياسة الخارجية، وهما المدرسة المثالية والمدرسة الواقعية. وحيث تتمسك الأولى بعقيدة فرض سيادة أميركا المطلقة على العالم ولو بالقوة. وتؤمن الثانية بالسيادة النسبية بمشاركة آخرين من العالم، بوسائل تبادلية المصالح، والإقناع، وتأثير القوة الناعمة.
وإذا رجعنا إلى السؤال الأول في هذا المقال عما إذا كانت أميركا في أزمة، فمن المتفق عليه أن أحد مقومات قوة أميركا في السياسة الخارجية، وجود ما يعرف بالتوافق CONSENSUS بين الأميركيين، وبالتالي وجود ظهير عام متماسك وراء السياسة الخارجية المتبعة لكن ما جرى في حملة ترمب، وأيضاً في رد فعل النخبة والشارع الأميركي تجاهها، قد أظهر انقسامات واضحة، وانفراط عقد التوافق، على الأقل ببروز تيار مساند بقوة لترمب، وتيار يرفضه بنفس الدرجة من القوة. بالإضافة بالطبع إلى الانقسامات التي دبت في صفوف الحزب الجمهوري ذاته، التي عبرت عنها قيادات الحزب، وأيضاً كل المرشحين المنافسين لترمب.
وأيضاً مقالات كبار الكتاب في الصحف، ومعظمها اعتبر ترمب ظاهرة شاذة، أو على الأقل خارجة عن السياق السياسي الأميركي.
إن الأزمة التي كشفت قفزات ترمب الغطاء عنها، كانت بذورها قد تمرست في التربة السياسية خلال عشرات السنين الأخيرة. وربما كان من أهم مكوناتها طبيعة النظام السياسي الذي كان صناع السياسة في أميركا يعتبرونه حالة خاصة تنفرد بها بلادهم، وأن هذا الانفراد يمثل مصدر قوة لبلادهم، إلى أن ظهر في سباق الانتخابات الحالية أنها أيضاً مصدر ضعف.
فالرأي العام كان مستسلماً لتهميش دوره في التأثير على صنع السياسة، لصالح قوى الضغط، وجماعات المصالح، ومن بينها ما هو مسموح له حسب قواعد عمل النظام السياسي، بأن يمثل دولة أجنبية. وبالتالي يكون لهذه الدولة تأثير على السياسة الخارجية، ليس متوافراً للرأي العام الأميركي العادي، كما هو الحال مع قوة الضغط اليهودي (الإيباك)، لصالح إسرائيل، بالإضافة إلى قوى ضغط تعمل لصالح دول أخرى.
من ثم لم يكن التصويت لصالح ترمب، تقبلاً له، بل كان تمرداً على نظام بدأ الأميركيون يرفضونه، من خلاله تصويتهم في الانتخابات، بعد أن كان هذا الرفض في السنوات السابقة ينحصر في دائرة التململ فقط.
من ثم كان السؤال: هل دخلت أميركا نفق أزمة حقيقية؟
بقلم : عاطف الغمري

عاطف الغمري