كتاب وأراء

انكشاف المداخلة في ليبيا

لم يكن أحد قبل الثورات الأخيرة يعلم شيئاً كبيراً عن تيار المداخلة أو الجامية كما يسميه منتسبوه نسبة إلى مؤسسيْ التيار. فالجميع كان يندرج حسب المراقبين تحت راية السلفية أو الوهابية أو غيرها من الحركات الدينية التي لم يكن المتابع العادي ليفرق بينها. لكن انفجار الأوضاع الاجتماعية في تونس قبل أن تمتد إلى كامل الرقعة العربية كان مناسبة مهمة أظهرت إلى السطح الدور الخطير لهذه الجماعة الدينية. لقد تحول تيار المداخلة فجأة إلى قوة ضاربة ضد قوى الثورة وقد دافع بشراسة عن النظام الاستبدادي وحرّم الثورات التي وصفتها بالفتنة والخروج عن الحاكم.
لقد نشأ هذا التيار خلال حرب الخليج في السعودية وكان الهدف منه الإفتاء بجواز الاستعانة بالقوات الأميركية لاحتلال العراق ثم تطور فيما بعد ليصبح بفضل الدعم الحكومي الكبير تيارا مؤثرا في المنطقة وفي جوارها الإقليمي وخاصة في مصر. تمدد التيار لاحقا إلى دول المغرب العربي وبلاد الشام وإن بشكل نسبي لأنه لم يكن ناشطا في العلن بل في حلقات خاصة وعبر شبكات معينة.
مع الثورة التونسية وخاصة المصرية خرج التيار السلفي ممثلا في حزب النور إلى العلن ونجح في حشد الأنصار وفي الفوز بمقاعد في البرلمان. أما أعظم نجاحاته فتتمثل في قدرته على شيطنة الانتقال الديمقراطي وضرب شرعية الإخوان ومساندته للانقلاب العسكري الدامي. أما في ليبيا فقد تحول التنظيم إلى جماعات مسلحة مقاتلة إلى جانب مشروع الكرامة أو مشروع الانقلاب الذي صاغه الجنرال حفتر من أجل استنساخ نظام القذافي في شكل جديد.
لكن المشهد في ليبيا استفاد كثيرا من المشهد المصري رغم تعويل الانقلابي حفتر على تيار المداخلة في محاولته الانقلابية. فقد انكشف الدور المشبوه لهذا التيار مبكرا في ليبيا واقتصر مريدوه على الناحية الشرقية في بنغازي خاصة حيث تم تجنيدهم ضمن ميليشيات حفتر بالقوة. وقد كان للجرائم التي ارتكبتها مجموعات تتبع هذا التيار وخاصة جرائم الذراع اليمنى لحفتر المسمى محمود الورفلي دور مهم في كشف الطابع المتوحش لهذه الجماعات وخاصيتها الدموية.
إن التمويل المباشر الذي يتحصل عليه التيار المدخلي في ليبيا من الأطراف الخليجية وتحديدا من السعودية والإمارات وعسكريا من مصر قد ظهر جليا للعلن خلال الهجوم الأخير الذي شنته قوات حفتر على العاصمة طرابلس. وهو أمر يجعل من المشهد العربي اليوم حربا مفتوحة بين القوى المضادة للثورات من جهة بما فيها بعض التيارات الدينية والقوى الثورية الأخرى التي لاتزال إلى اليوم تناضل من أجل إنهاء عمر النظام الاستبدادي الذي بات يترنح.
بقلم: محمد هنيد

محمد هنيد