كتاب وأراء

اللغة العربية وعبقرية عبور الزمان والمكان

تمر اللغة شأنها شأن الإنسان والمجتمعات في لحظات من عدم الاستقرار، لحظات يمكن للبعض الانهزام أمامها أو التسليم. تفقد الامم ثقتها بمكوناتها السياسية والاجتماعية والمعرفية والاقتصادية، تلك ربما طبيعة الاشياء. لم تكن اللغة العربية استثناءا، فهي تنتمي إلى أمة مرت عليها قرون عجاف ولا زالت موضع تهاجم في شتى المجالات. وخلال تلك القرون بقيت لغة الضاد عصية على الانكسار أو ان تنهزم. رغم ان السياسة والقوة التي ترافقها وعاء مهم لنشر اللغة وفرضها على الآخرين، الا ان اللغة العربية حافظت على مكانة لنفسها بين اللغات يصعب أن تسده أي لغة مهما كانت القوة السياسية أو الحضارية المادية التي تساندها.
يحدثنا التاريخ عن اللغة العربية بوصفها اللغة التي نجحت في العبور عبر الزمان والمكان وكذلك الإنسان. فهي اللغة التي حُفظت عبر حفظ القران الكريم الذي حفظه الله تعالى. وهذا بحد ذاته امتياز ليس بعده امتياز. لكن التطورات التي مرت على اللغة أثبتت أنها عصية ومتماسكة كذلك بل ومؤثرة. يكفي هنا الاشارة إلى ان اللغة العربية التي وصلت إلى المشرق استطاعت ان تحدث تغييراً جوهريا في أحد اهم اللغات الهندو اوروبية وهي اللغة الفارسية، ففي العصر الساماني استطاعت اللغة العربية عبر حروفها ان تحل مكان الحرف البهلوي القديم في اللغة الفارسية لتصبح اللغة الفارسية وحتى يومنا هذا مكتوبة بالحرف العربي. لم يكن الحرف فقط بل المفردات والمصطلحات. هذا لا يعني بالطبع انه لم تدخل مصطلحات من اللغة الفارسية إلى العربية، لكن الفعل الذي أحدثته العربية كلغة مؤثراً لدرجة ان العهد الملكي في إيران في اوئل القرن العشرين اعتبر ان تأسيس الدولة القومية يستند إلى التوقف عن استخدام الحرف العربي في اللغة الفارسية وهو الامر الذي لم يحدث رغم الدعوات المتكررة. في هذا السياق لا تبدو التجربة التركية بعيدة، فاللغة التركية العثمانية التي سادت حوالي سبعة قرون كانت تستخدم الحرف العربي، ولا عجب ان يعتبر مصطفى كمال اتاتورك احد اهم عوامل بناء تركيا العلمانية القومية هو التوقف عن استخدام الحرف العربي.
ان لغة الضاد بسحرها وبيانها اعطت لامة خصوصية حفظها وسيحفظها التاريخ، والاهم ربما ان هذه اللغة هي ضرورة لفهم اكثر الاديان انتشاراً وهو الإسلام. هذه الخصوصية جاءت مترافقة مع قدر من الانفتاح عظيم على لغات سبقت، الانفتاح على اللغات الهندية واليونانية ساعد في تقديم العربية معرفة لامم لاحقة، نقلت تلك المعارف إلى اللغة اللاتينية والتي انفتحت هي على اللغة العربية. حينها لم يكن التراجع السياسي يؤثر على العربية كمصدر اشعاع معرفي.
ان قدرة اللغة العربية على العبور عبر هذه المساحات الزمنية الواسعة وكذلك الجغرافيا المترامية ما هي الا ادلة على التشبث بها وما هو الا وسيلة للحفاظ على انفسنا وذاتنا، فاللغة اثبتت انها عصية على الانكسار لكن ماذا حول المنتمين لها؟ إن اهتمامنا بالعربية على مستوى التعلم والارتباط الذهني بها ما هو الا تعزيز لهويتنا بين الامم ومحافظة على موقعنا بين تلك الامم.
إن اللغات في القرن الحادي والعشرين تعيش قدراً من التدافع بينها، وهو ربما يعكس حالة المنافسة بين البشر، لكن الملفت للانتباه في هذا السياق أن اللغة العربية بتوهجها بقيت محافظة على ألقها حتى وان تراجع اهتمام البعض بها من حيث التعلم. فمكانة اللغة ليست مرتبطة فقط بعدد من يتكلمها بل أنها مرتبطة بشكل اكثر عمقاً بفعلها الحضاري والذي هو بلا شك غير منقطع ولن ينقطع.
بقلم : محجوب الزويري

محجوب الزويري