كتاب وأراء

«النوستالجيا» تسقط حكم الإعدام

«النوستالجيا» تسقط حكم الإعدام

- النوستالجيا هي الاستعاضة بالاستشراق بشمس الغياب مع تعمد استغراب أقمار الحاضر.
- هي تدريب الواقع على احترام الذاكرة.
- هي بخس الغد بمقايضته بلحظات الأمس الأثمن.
- هي الإفراط في التعلق بالأبيض والأسود والوله بالشفاف وعشق الباستيل.
- هي معافاة النفس للتجاوب مع المتاح، لشغفها السرمدي للمُحال.
- هي معركة النسيان في محراب الخيال لنصر جيش الذكريات.
- هي الاكتراث بالافتراضي المُرَمَم بسحر أتربة زماااااااااااااااااان.
- هي الجرأة على إتلاف الحاضر بالاستقطاع منه لترقيع الغياب.
- هي إقالة لوحة لـ «فابيان بيريز» شغفًا بوضع برواز عتيق مخدوش لصورة فوتوغرافية ممزقة لا ألق فيها.
- هي الحنين لفواتير شقتك الحقيرة المؤجرة بضيعتك الفقيرة، بُعيد تسديدك أكلافًا باهظة من مصرف «حُريتك» لإقامتك بأرقى مُجمعات العاصمة.
- النوستالجيا تبخس قيمة شرفة مطلة مباشرة على البحر إعلاءً للشرفة الجانبية ببيت جدتك.
- هي إسعاف لحيظة ماتت، بإحيائها بصورة، للقبض على نسيم مرور أصحابها بدروب حياتنا.
- هي محاولة لاستقطاع وقت إضافي من رصيد أقدارك، لمرحلة المعاش، بالعبث مع حلم يقظة شفاف أنت تعلم أن أرصدته مكشوفة وحساباته وهمية.
- النوستالجيا هي بصمات الأجداد، نحتوها بمتحف ذكريات الأحفاد.
- هي بقع مقدسة في هيامات أعمارنا، نعمل جاهدين على عدم غسلها.
- هي الإقبال على استدعاء حلم خطوته عزيزة، أقسمت عليه أن يزور عتبات ذهنك.
- الذكريات هي هوامش الواقع، هي قشور دنياك، يحسبها الجاهل بلا قيمة، فيما يدرك الأريب أن جُلّ الفيتامينات في القشور.
- الحنين هو السلوى بتذكار أنّات مضت، لكن يظَلّ الشوق لمعاودة اجترار التلذذ بذكرى العناية الفائقة المهادة لسعالك في الصغر.
- هو إداركك لقيمة عذرية مشاعرك الشابة، وتقديرك لأخطائك الطازجة، مقابل مَقتك لصوابيات كهولتك المحفوظة.
- هو السير في مسار السراب سعيًا خلف شَربة مستخرجة من آبار صحراء لحظات سَبْتِك، أحادك وجُمعك بل وأيامك كلها، ثم قمت بتصفية آبارك لانتقاء أعذب اللحيظات، لادخارها بحويصلة خيالاتك.
- هو تَعَلُق الثكالى في اقتفاء بصمات من فقدوهم، سواء بصماتهم على زجاج النوافذ، بين دفاتر الأمس أو على البيانو القديم.
- هو الاستماتة في نفخ الجمر المبتل، أملاً في إعادة إشعال قلوب بردت مشاعرها.
- هو توق السجين لومضة بشرفة بيته، وأمل المُّهَجّرين في استرداد أغصان الزيتون.
- الحنين يهبك مهارة خياط بارع في حياكة هوامش واقعه بحسب قياسات خصر مزاجه.
- هو الشوق لطهارة أحلامك، بأيام لم تكن فيها بعد، قد بلغت الحُلُم.
- هو هول المفاجأة يوم عدت لشارعك القديم، ومررت على دار أيتام، فتساءلت: أين أنا من هاتيك الليالي يوم كنت- مع شريكي- نزورهم، نمسح على رؤوسهم ونعلمهم.. لله!
- النوستالجيا توسوس لك بتعطير وسائدك بشانيل 5، لا لعشقك للعطر، بل لكونه تذكارًا ممن ارتداه.
- النوستالجيا هي عبرات تقفز لذهنك في خطرات، تشرذمك، تلاحق بالك فتحوله لفوضى، لشذرات بلا نسق.. لهدير موج غاضب يداعبك ويتلاعب بسلامك النفسي، يشوشك بتداعي الصور وبتقاطر المفردات وتساقط المواقف فوق جمجمتك، تحايا جيرانك لدى مقابلتهم بالمصعد، صور زملاؤك بالمدرسة... إلخ
- النوستالجيا تتيح لك بوفيهًا مفتوحًا يثير فيك شهية انتقاء المفقود.
ربما تذكرك عرائس اللحم بصوت أمك حينما نادتك صغيرًا: تعالى، خذ لك عروس؟
تترك البوفيه وتعود لطاولتك لا شيء معك سوى فنجان
تعود، غير آسف من تثمينك للاشيء مقابل طيف عروس لن يُسمح لك بفك ضفائرها.
- النوستالجيا تحملك على إلقاء رأسك للخلف لتذكر ذنبك الأول المدونون بصحيفة مراهقتك، ذاك الذي لا تريد التكفير عنه ولا معاودته، فهو إثم نحيف كحجمك وقتها، كما أنك لن تستطيع معاودة ارتكابه بنفس فرحتك الأولى بأخطاء البدايات.
- النوستالجيا هي استعدادك للدفع نقدًا لإعادة معايشة مشهد سمعت خلاله نبرة ودودة حَيّتك بشغف في لقاء جاء مصادفة.
- النوستاليجيا هي إصدار قرار بإسقاط حكم الإعدام من قانون الذكريات.
كاتبة مصرية
بقلم: داليا الحديدي

داليا الحديدي