كتاب وأراء

..البحث عن الاستقرار بين أرجل الفيلة

التفجير الرمضاني الذي هز بيروت في موعد إفطار الصائمين، إرهاب من نوع خاص في وقت كان الإرهاب «المعلوم» يمارس لعبة الموت المخيفة في مدينة اورلاندو الاميركية، ويكاد يكون هذا التفجير النوعي بمثابة «إعلان حرب» على لبنان، عبر اختيار خاصرته الرخوة: المصارف، وهي أحد عناوين النجاح، في ظل أوضاعه الاقتصادية المأزومة، نتيجة الحروب المشتعلة في المنطقة، والتي يزيد من حدتها الفراغ المدوي في رأس السلطة في لبنان وشلل حكومته المركبة فسيفسائياً، بما يعجزها عن القرار.
لقد اختار صاحب القرار باستهداف لبنان، في هذه اللحظة الحرجة، ضحيته النموذجية: واحداً من أكبر المصارف اللبنانية، سبق أن نشأ التباس بينه وبين «حزب الله»، على خلفية تطبيق قرارات الحظر الأميركية الهادفة إلى محاصرة الحزب ماديا ومصرفيا.
صحيح انه لم تسقط ضحايا بشرية في هذا الانفجار النوعي لكن ضحاياه شملت لبنان بمؤسساته جميعاً السياسية والعسكرية والمالية والاجتماعية، أي عموم اللبنانيين. وقد لا يكون الا الجاهل لتداعيات الحصار على الحزب من يقلل خطورة رد الفعل المحتمل حتى لو لم يكن الحزب قادرا في هذا المعترك تحديدا ان يفك عنه الطوق بأنماط مماثلة لـ7 ايار مثلاً فيما هو يتعرض لاختناقات هائلة. وهكذا بالنسبة للبعض، ليس أسهل، في هذه اللحظة، من تحويل «حزب الله» من «رمز مقاوم» إلى متسبب في الإضرار بأمن لبنان واقتصاده ولقمة عيش أهله.
وعلى الجهة المقابلة، يتزامن هذا الانفجار مع ما يشهده «تيار المستقبل»، القطب الاخر الموازي في المعادلة السياسية اللبنانية، من تداعيات مريرة على خلفية نكسته في الانتخابات البلدية وتراجع قدراته المالية والتي دفعت بجهات عدة إلى التوغل بعيدا في «سلخ جلد الدب قبل اصطياده».
طبعا، ليس هناك لا في الشكل ولا في المضمون ولا في الظروف والخصوصيات أي رابط بين ما تتعرض له القوتان اللبنانيتان اللتان تختصران الصراع الداخلي الموصول بأفق اقليمية. ولكن من باب أولى ان يثير عامل التزامن بين الحالتين، حتى لو كان عفويا، فضولا حيال واقع خارجي أفضى إلى اطلاق تداعيات غير عادية بدأت تضرب لبنان كأنها نذير بلوغ الانهيارات الاقليمية التي اعقبت الاتفاق النووي الاميركي الإيراني البلد الصغير القلق الباحث عن استقراره بين أرجل الفيلة. شيء ما يشبه مرحلة عشية الطائف يطل عبر شمولية أزمات توزع الأنصاب والحصص على مختلف القوى الداخلية سواء كان ذلك بفعل اوضاع ذاتية طال صمودها امام الانسداد السياسي كمثل حالة «تيار المستقبل»، أو بفعل أوضاع اشد قسوة يعاني منها «حزب الله «في مواجهة الحصار المالي الذي يتساءل أكثرنا عن سر اشتداده عقب الاتفاق النووي وماذا تراها فاعلة إيران للتخفيف منه؟
اغلب الظن اننا لن نعثر على أجوبة واضحة في مسار غامض يتصل بخفايا لعبة الامم الجارية على ارض الاقليم، خصوصا مع كل ما يثير الريبة حيال «سايكس بيكو» محدثة ترسم له. ولكن ما يعنينا اولا وأخيرا هو تغيير التعامل مع واقع داخلي لا يبدو ان احدا يحظى فيه بشبكة امان. ولعل من السذاجة ان يمضي التعاطي مع هذه التطورات الخطيرة وفق حسابات واعتبارات تبدي الغرائز والعصبيات على المصلحة الوطنية في وقت تكاد الازمات الوافدة تبتلع قوى «عملاقة» لم تصمد في وجهها فكيف بالذين لا يتقنون سوى الثرثرة؟
أمين قمورية

امين قمورية