كتاب وأراء

التعايش المدهش

أذكر أن والدي اشترى ماكينة لجلب المياه من الآبار الارتوازية أو العيون التي يتم حفرها يدويا في ذلك الوقت ماركة «بلاكستون» من شركة الخليفي وهو من رواد التجارة من أهل قطر في شارع سوق واقف على ما أظن، حيث أحدثت نقلة نوعية في مجال صناعة ماكينات جلب المياه في حينه، كانت المزارع هي صيفنا ننتشر بين خضرتها ومائها وطيورها، مجتمع متشارك، وهي مزارع لأفراد سواء من الشيوخ أو من غيرهم، نموذج بسيط للعيش المشترك نفتقده اليوم حين انتقلنا من بيئة المزارع التشاركية إلى ثقافة الأبراج الانعزالية التي تشعر صاحبها بأنه صاحب حظوة دون غيره، فعليه بالعزلة والتقوقع خوفا من العين والحسد، وظهور ما يشكل الطبقية الحادة وهو ما حذرت منه طويلا في مقالات عديدة منذ ما يزيد على العقد حتى اللحظة حول تحلل وغياب الطبقة الوسطى الهشة التي أنشأها إلى حد ما حسن توزيع الريع بشكل يعظم من وجودها. أشهر مزارع الريان، زرع الشيوخ، وزرع «الشقب» الذي به مربط للخيل، وزرع الشيخ علي، وزرع سعيد العلي وزرع أبناء الشيخ عبدالعزيز بن حمد الكرام أوما يسمى بـ«الغبيبة».

الريان كان رئة للتنفس وبيئة صالحة للعيش خالية من التلوث وبها من الطيور الكثير، بل إن هناك موسما لطائر السمَن ويسمى «السمان» أحيانا والصفارا والرخروخ وهو طائر من فصيلة «السمَن» أيضا الذي كنا ننتظره بفارغ الصبر لاصطياد ما يمكن اصطياده منها حتى أنه كان بإمكاننا في ذلك الوقت، توفير ما يحتاجه البيت من لحم طازج لأسبوع أو لمدة أطول، الأمر الذي اندثر بعد إزالة هذه المزارع، وأصبحنا نعتمد على دجاج «ساديا» المثلج.

لقد كان الريان نموذجا للتعايش للإنسان كذلك كما كان للطير حيث ضم جميع قبائل وعوائل قطر وشيوخ آل ثاني وعدة بيوت للمعاضيد والخاطر والبوكوارة والنعيم والمنانعة والكعبان وبني هاجر وآل مرة وقحطان والخليفات والمناصير والمهاندة والنعيم والمسافرة، هذه جغرافية الريان البشرية حينئذ ولعلي لا أنسى أحدا إلا سهوا بالإضافة إلى جاليات آسيوية من باكستان وإيران، بعضهم تحصل على الجنسية لاحقا، وبعضهم لم يتحصل حتى الآن.

عبدالعزيز الخاطر

عبدالعزيز محمد الخاطر