كتاب وأراء

الهوية المنغلقة مدعاة لكراهية الآخر

تجنح الهوية في صورتها المنغلقة والأشد خصوصية إلى العنف في علاقتها مع الآخر المختلف وتتحول إلى أداة تبريرية لإقصاء المغاير ونفيه ابتداء من تشويه صورته وشيطنته وصولا إلى ممارسة كافة أشكال العنف ضده والذي قد يجد صورته القصوى في حالات التطهير العرقي التي تشهدها مناطق مختلفة من العالم. وتجد هذه النظرة الدونية للآخر جذورها في حالة التعصب الفكري والعقدي الذي يعمد له البعض في محاولته لإعلاء خصوصيته وفرضها على الآخر بوصفها الحالة الطبيعية التي ينبغي أن تكون عليها الأمور. وربما كانت الحركات القومية العنصرية في تطرفها العرقي (والنازية تشكل تحققها الأقصى) والجماعات الدينية في تشددها الديني (والتي تمثل الصهيونية والجماعات الطائفية في الديانات المختلفة صورتها القصوى) التعبير الأوضح لتحولات الهوية من صورتها الاعتيادية أعني بوصفها تعبيرا عن الخصوصية الثقافية لتتحول إلى تبرير إلى أقصى أشكال العنف وأقساها.
لقد تحولت الاختلافات المذهبية والتعدد الطائفي والعرقي إلى مولد للعنف ومع قدر مناسب من التحريض يمكن أن يصبح وعي متعمق منذ النشأة بهوية ضيقة مع جماعة من الناس إلى سلاح قوي يوجه ضد جماعة أخرى تتم شيطنتها في مرحلة أولى استعدادا لتصفيتها أو إلغاء فاعليتها وتأثيرها في المشهد السياسي والمجتمعي، والواقع أن كثيرا من النزاعات وأعمال العنف الوحشية في العالم تتغذى على وهم هوية متفردة لا اختيار فيها، «وفن بناء الكراهية يأخذ شكل إثارة القوى الكامنة لهوية طائفية مزعومة السيادة والهيمنة تحجب كل الانتماءات الأخرى وعندما تعطي هذه الهوية شكلا ملائما ذا نزعة عدوانية يمكن أن تهزم أي تعاطف إنساني أو مشاعر للشفقة الفطرية قد تكون موجودة في نفوس البشر بشكل طبيعي» كما يقول أمارتيا صن، والنتيجة يمكن أن تكون عنفا أعمى مصنوعا داخل الوطن أو إرهابا مراوغا ومدبرا من أنظمة سياسية أو دولا كبرى. وهذه الأشكال العنيفة لتجليات الهوية المغلقة نلاحظ مفاعيلها في بقاع شتى من العالم، كما نلاحظه خاصة يتمدد في الحالتين السورية والعراقية في ظل غياب الدولة الجامعة المستوعبة لكل أشكال الاختلاف والتنوع وهو ما يعود في عمقه إلى فشل نموذج الدولة الوطنية التي نشأت بعد الاستقلال خاصة في ظل خضوعها لأنماط حكم جبرية استبدادية أسست للفكر الواحد ولمنطق الطاغية المهيمن غير القابل للمحاسبة أو النقد وهو ما أدى عند انهيار هذا النظام أو ضعفه إلى تفجر كل الهويات الكامنة بموروثها القديم بصورته القروسطية المظلمة والأشد عدوانية ورفضا للآخر المختلف. وربما من المفيد أن نذكر هنا أن الدول الأوروبية ذاتها شهدت صراعات عنيفة من هذا النوع مثلما مثلتها النزاعات الدينية بين الكاثوليك والبروتستانت (مجزرة سانت بارتيلمي نموذجا) أو حتى في حروبها القومية التي اندلعت تحت تأثير القوى القومية مثل النازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا غير أن دول أوروبا كما يقول تودوروف «بعد أن تحاربت وتباغضت واحتقر كل منها الآخر، توصلت إلى العيش معا داخل الوحدة»، غير أن حل المشكل لم يكن قائما على منطق إلغاء التعدد بل تحول التنوع إلى علامة على هوية أروبية فارقة وكما يلاحظ يورغن هابرماس» فإن القبول بالاختلاف- أي القبول المتبادل بالآخر ضمن غيريته- يمكن كذلك أن يصبح علامة تدل على هوية مشتركة».
فالعنف يصبح ملازما للهويات متى أصبحت تعبيرا عن الكيان الضيق الذي يرفض الانفتاح على الآخر والتعامل معه بوصفه كيانا مساويا من حيث هو إنسان له ذات الحقوق التي تتسامى على الانتماء العرقي أو الديني مهما كانت الاختلافات. فجذور العنف الذي يطغى على الانتماء الهووي لدى بعض الجماعات يكمن في حالة التعصب التي ترافق الفعل الإنساني ويتحول إلى نوع من الهوس الذي يؤمن بالتفوق على الآخر والداعي إلى نفيه.
بقلم : سمير حمدي

سمير حمدي