كتاب وأراء

1000 «لا» للتسول !

طالعت منشورًا لكاتب كبير يصرح فيه عن تردده الدائم؛ فهو متردد في قضية منح المتسولين أم منعهم.
إذ ينتابه شعور أن عطيته للمتسول ستشجعه على كسب المال دون عمل نافع يقدمه للمجتمع، وبالمقابل يتولد في نفسه إحساس بالذنب لو تجاهل المتسول.
مَنْ منا لم يتنازعه هذا الصراع بين الرغبة في مساعدة الفقراء وبين إحساس خفي باستغلالهم؟
على أية حال، فأمثالي عطاؤهم قليل وربما نادر، لكن لو حدث وأعانني الله فتغلبت على شح نفسي بالمنح من عطايا الله، فأهرع للشارع، فإذ بالكناسين المتعففين وعمال محطات الوقود يملؤون الطرقات، فضلاً عن عمال النظافة في المشافي والشوارع، فأبديهم على من سواهم.. لكن من حفظت وجوههم من المتسولين، أدرك أنهم محترفون، حتى المتسولين في الحرم، وجوههم معروفة، فيما المساكين من العتالين أو حتى أقاربنا في أعماق الأرياف أولى، كونهم مساكين، يعجزون عن إظهار المسكنة كسواهم من المتسولين.
فموقفي فاقع جدًا بإزاء من يستسهل فيشحذ من خلاصة عرق الكادحين، إذ لا اكتفي بلا جمع لا وألف ألف لا لكل متربح من جهد الخلق.
لكن بطبيعة الحال، لا أنهر السائل سواء كان سائلاً مجاهرًا بتسوله أو متسولاً بشكل مبطن.
فكم من أشخاص لا يتعففون، يعبأ بهم محيطنا ممن يحترفون التسول المقنع، فقد اعتادوا على سؤال الناس إلحافاً ورمي الكلام لعلهم يصيبون مبلغًا، فتارة يحشرون معلومة أن: «العيال نفسهم في فسدق، ثم أن عمرهم ما ذواقوا الكاجو».
وتارة: «ابني قال لي: أتمنى أن يأتي الصيف لتناول الكباب الذي لا يظهر سوى صيفًا»، هذا عدا صخبهم بالشكوى من الفواتير ومصروفات المدارس والعلاج، يلي ذلك باقة من الدموع الحاتمية، تليها شهقات استعطافية ويعقب ذلك مباشرة، ساعة مسح الدموع، لحظة استجماع بقايا الكبرياء المنهار، فيصرحون بـ «الحمد لله.. الحمد لله.. مستورة»
آخرون لا يتورعون دون أدنى حياء عن الإعلان عن أن أبناءهم بحاجة لغيارات أو أن ابنهم الكبير أجرى حادث بالسيارة التي تهشمت وتحتاج لتصليح سيتكلف الكثير، فضلاً عن المزيد من التلميحات أن عينك بصيرة بينما أيديهم قصيرة، حتى أن صغيرتهم تحتاج لبلسم للشعر، لكنهم يعجزون عن سترها.. وكأن البلسم ساتر من الشعث!!
آخرون أشد حرفية في ما يتعلق بعملية التسول المبطن؛ إذ يجيدون الضغط على محيطهم وإلا التجريس، فيرمون في معرض حديثهم بعبارة ما.
الشاهد، فالكياسة تعد أمرًا حتميًا في مقاومة تربح أدعياء الفقر، فلو أرسل لك المولى ما يفيد بأن فلانًا متربح من علاقته بك بل ومستغلك بشكل مقنن عن طريق تصدير معلومات تفيد باستحلاب جهدك أو التلويح بالتجريس في نطاق عائلتك، فكيف تنصاع لهكذا استغلال؟ّ
إنما الأغلال توضع في أيدي العبيد، فكيف نسمح لمتسول صريحا كان أو ضمنيا باستعبادنا، بالتذاكي علينا أو باستغفالنا باسم الظروف؟
فلو قابلت سائسًا لا ينظف سيارتك لكنه يرفع المساحات، ثم ما أن يراك حتى يلطخ زجاج سيارتك، فهذا تسول مبطن، إذ انه قادر على التنظيف، لكن هذا العمل البسيط يستخسره فيك.
ثم أليست الدنيا عامرة بالمساكين الأحق؟ فكيف نقدم مستغلاً ومتربحًا على محتاج حقيقي يعيش في وضع مزرٍ كونه لم يؤت قدرًا من الوضاعة والخبث تمكنه من استغلالك في ما هناك من هو أشد منه حنكة كونه يجيد توظيف دموعه وهيئته لاستدرار مالك؟ أليس في دنيانا من هم أولى؟
الخلاصة، فلقد خلصت واسترحت إلى أنني إن وجدت متسولًا محترفًا، فلا أعطيه، لكنني أتدارك، فأمشي قليلاً بحثا عن كناس، عتال أو قريب معدم، فأمنحه عطيته من مال الله، أنقذتها من الوصول لمتسول محترف وانتهازي و مستغل.
أقوم بذلك وأنا واعية أنني لا أمنع ماعونًا، لانتوائي إعانة من يحتاج لا من يستغفل.
وإن تجدوا حسنًا في كلامي فخذوه، واطرحوا ما ليس حسنًا.
كاتبة مصرية داليا الحديدي

داليا الحديدي