كتاب وأراء

أزمــة الهـويـة فـي فرنـســا

أثار إعلانٌ عن تسويق شركة للمعدات الرياضية الفرنسية لغطاء للرأس خاص بالمسلمات عاصفة من ردود الأفعال المحلية التي غطت على الساحة الإعلامية خلال الأسبوع الفارط ولاتزال تتفاعل إلى اليوم. فقد وجد السياسيون والمتطرفون في الحدث فرصة نادرة من أجل صرف أنظار الرأي العام الفرنسي عن مطالب السترات الصفراء وعن الأزمة الاجتماعية التي تعيشها البلاد منذ مطلع السنة.
فردود الأفعال والتصريحات المهاجمة للشركة لم تخل من عنصرية ومن تهجم على العرب والمسلمين خاصة بعد الجدل الذي أثاره القانون الجديد حول معاداة الصهيونية في فرنسا ومساواتها بمعاداة السامية. هذا الأمر يعيد إلى أذهان نزوع النخب الفرنسية إلى تحريك موضوع الهوية كلما وقعت البلاد في أزمة من الأزمات من أجل البحث عن موضوع يوحد الجبهة الداخلية. ولما كان المهاجرون بشكل عام والمسلمون بشكل خاص يشكلون الحلقة الأضعف في النسيج الاجتماعي الفرنسي فإن أغلب الجبهات تُفتح ضدهم باعتبارهم الخطر الذي يهدد البلاد ويهدد هويتها وتلاحم مكوناتها.
بعض المثقفين رأى في الحملة التي تُشن ضد المسلمين علامة على أن البلاد تمر بأزمة حقيقية وتساءل قائلا: كيف يمكن لبلد أوروبي أن لا يرى من كل مشاكله القائمة إلا غطاء للرأس يخص مكونا من مكونات المجتمع الفرنسي؟ لابد من التذكير بأن فرنسا تعدّ من أكثر الدول الأوروبية التي تثار فيها مسائل الهوية والانتماء بهذا الشكل الذي صار يطرح كثيرا من الأسئلة حول قدرتها فعلا على تخطي هذا الحاجز النفسي والسياسي. فالأمر يتعلق بأجيال من المهاجرين الذي صاروا جزءاً لا ينفصل من النسيج الاجتماعي للدولة بل إنهم يعتبرون من القوى النشطة في الاقتصاد الفرنسي بما يوفرونه من خبرات ومن يد عاملة تعدّ الرافعة البشرية لمعظم الأنشطة الاقتصادية.
لكن من جهة أخرى يبدو صراع الهوية في عمقه أداة لصراع سياسي أعمق بين مكونات الطيف السياسي الفرنسي حيث يعمد اليمين المتطرف والجماعات المرتبطة باللوبي الصهيوني إلى الاستثمار في الأحداث العابرة من أجل العودة إلى المشهد السياسي المرتبك أصلا. ففرنسا التي تمر بأزمة اجتماعية خانقة ناجمة عن تراجع القدرة الشرائية وارتفاع نسب البطالة ووصول الضرائب إلى معدلات مرتفعة مقارنة بالرواتب المتوسطة تشهد عودة حثيثة إلى الخطاب الشعبوي الذي وجد طريقه إلى الساحة الفرنسية. لكن الأخطر من كل ذلك هو ما يمكن أن ينتج عن هذه الدعوات المتطرفة من تنامٍ للنزعات العنصرية التي قد تساعد على دعم رصيد اليمين المتطرف في الانتخابات القادمة.
بقلم: محمد هنيد

محمد هنيد