كتاب وأراء

استقبال مليء بالأحقاد..
قصة تفوقها الحقيقة

قبل أكثر من ثلاثين عاماً، وفي جامعة إنديانا الأميركية، التقى «منير يزبك» القادم من سوريا لدراسة الاقتصاد مع «شريف أبو النجا» الوافد من مصر لدراسة القانون. وبعد أيام قليلة على تعارفهما انضم إليهما العراقي «مهدي عباس» الذي ابتعث لدراسة الطب. توطدت بين الثلاثة علاقة قوية. فهم أبناء جيل واحد، كما جمعتهم أحلام متقاربة وميول متشابهة. فلم يكن لديهم مثلاً أي اهتمام بالسياسة ولهذا نمت علاقاتهم بقوة على عكس طلاب عرب آخرين في نفس الجامعة كانت السياسة تفرق كثيراً بينهم. كل حياتهم كرسوها لتحصيل العلم. عرفوا حقيقة أنفسهم مبكراً وأنهم خلقوا لينضموا إلى «التكنوقراط»، تلك الشريحة من الخبراء البارعين في تخصصاتهم.
مضت سنوات الدراسة وكل منهم يحكي للآخر عن نفسه وعن أحلامه. لم تشدهم نداءات البقاء في أميركا رغم مغرياتها وإنما أغرتهم بقوة واجبات العودة إلى بلادهم للعمل من أجل رفاهية أبنائها. كانوا مسكونين بروح الإصلاحيين القدامى. حددوا لأنفسهم من البداية رسالة: أن ينهلوا من الغرب معارفه ليعودوا لغرسها في بلدانهم. وهذا تماماً ما حدث. عاد كل منهم إلى وطنه بعد حصوله على درجة الدكتوراة مباشرة. أما صداقتهم فقد استمرت. عادوا إلى أوطانهم وظلوا في كافة المناسبات يعايد بعضهم بعضا.
وبعد سنوات قليلة من عودتهم تسرب إلى نفوسهم مزيج من اليأس والغضب والدهشة. فلم يتوقعوا أن تستقبلهم كل هذه الأحقاد. بيروقراطية شلت مشروعات البحوث التي حلموا بها من أجل بلدانهم. أقران ممن تعلموا بالداخل ناصبوهم العداء ووصفوهم بأنهم ربيبو الجامعات الإمبريالية. حتى لغتهم الإنجليزية المتميزة جعلتهم مثاراً للحقد بل واعتبرها المتنطعة دليلاً على الدونية أمام الأجانب. واجه ثلاثتهم أحقادا لم يتوقعوها ومصاعب لم يتصوروها. وهذا ما دفعهم للبحث هنا وهناك عن بدائل للعمل والحياة غير بلدانهم.
لكن ثلاثتهم كانوا آباء تنغمس في أحشائهم الروح الشرقية ولم يكن عندهم أثمن من تربية أولادهم. ولهذا فقد رفض «منير يزبك» العودة إلى الولايات المتحدة برغم العرض المغري الذي قدمته له شركة دولية شهيرة ليكون مستشاراً اقتصادياً لها. فضل أن يعمل في إحدى دول الخليج حيث وجد مزجاً أعجبه بين استجلاب الحداثة والحفاظ على التقاليد. شعر «منير» أنه سيكون في تلك الدولة أكثر اطمئناناً على ولديه. ولم يكن إحساس «شريف أبو النجا» مختلفاً. فابنتاه كانتا أعز عنده من الدنيا بأسرها. انتقل بهما بصحبة زوجته إلى نفس المدينة التي استقر فيها «منير».
ومثلما كانت براعة «منير» في الاقتصاد جواز مروره للعمل في شركة استثمارات مرموقة، وكانت أبحاث «شريف» المتميزة جسر توليه عمادة كلية القانون في إحدى الجامعات، كانت ملكات «مهدي عباس» الفذة في الطب وسيلته إلى النجاح. كان «مهدي» كصديقيه يخاف كثيراً على أولاده الثلاثة. ولهذا حملهم حيث يعيش زميلا عمره بعد أن أتاه عرض مغرٍ لا يرد من واحدة من كبرى المسشفيات.
استمر ثلاثتهم يتواصلون واستمروا كذلك يترددون على أوطانهم. كانوا كثيراً ما يأسفون في كل مرة يتذكرون فيها تلك الاستقبالات المليئة بالأحقاد التي صادفتهم بعد أن عادوا من أميركا. لكن أسفهم كان يزداد ودهشتهم كانت تعلو عندما يسمعون من بعضهم البعض عن تفاصيل استقبالات جديدة مليئة بالأحقاد واجهوها عند كل زيارة إلى بلادهم بعد أن استقروا في الخليج. فقد استقبلوا مراراً على أنهم أثرياء تحل سرقتهم. وأذهلتهم استقبالات البيروقراطية وهي تجبي منهم رسوماً وضرائب مركبة لا يعرفون مبرراتها ولا كيف يتفنن من يفرضها في ابتكار مسمياتها. كما كان يؤلمهم بشدة ذلك الفتور الذي يبديه نحوهم بعض أقربائهم وتلك التعليقات الخبيثة التي كانوا يسمعونها منهم فتكويهم بسياط من نار.
انكمشت مشاعر الأصدقاء الثلاثة في الأمل مع مرور الأيام. ومع هذا ظلوا يمنون أنفسهم في الأفضل مع أنهم في آخر لقاء جمعهم أقروا بأن تكرار استقبالهم بالأحقاد لم يكن مجرد سوء حظ يطاردهم وإنما طريقة حياة باتت تستشري عند أعداد متزايدة من الناس وثقافة لم يتعلموا لا في الاقتصاد ولا في القانون أو الطب كيف يغيرونها.
بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات