كتاب وأراء

أمك التي لا تخمك

بدعوى الخوف على صغارنا، نجحنا في تعطيل عضلة المخ لديهم، فتولد إجماع على صوابية ما يصدر عن الوالدين دون خضوعه لميزان المنطق، فغلبت في مجتمعاتنا نظرية الانقياد للآبائية والمجتمعية سيما لأصحاب الثقة لا الاختصاص.
فنشأت أجيال تفكر بعقول والديها وتطبق مبادئهم، أخطئوا أم أصابوا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، نتيجة التباس الترادف بين اتباع الحق وبرالوالدين.
فالتفكير مغيب، والعقل مخدر لو أن الأب قال إن العسل مفيد لمرضى السكر، أو لو أوصت الأم بغلق المقص منعًا لنشوب خلافات بين الأسرة، أولإفادة الجد بأنه طالما يداك تأكلك، فسيصلك نقود، أو لفتوى غذائية بأن تناول الضيف النشويات لدى المضيف لن يزد وزنه!
ما سبق يحدث دون سوء قصد، لكن بغباء، كون النشء يتعاملون مع أهل الثقة باتكالية، أي بتوكيل عام يخول لهم التفكير عنهم ويغني الأبناء عن جهد البحث، فيحسبون انهم يحسنون صنعا لو احتذوا بالأوائل.
أما آن الأوان لنظرية تربية حديثة تطرق على الرؤوس لتنبيه الأبناء بالتريث والتفكير قبيل التأمين على ما يقوله الكبار؟
عن نفسي، أعزز أبنائي بنصائح عن فضائل طاعة الوالدين، وفورًا، أطالبهم بشراء غرض لي من مكان بعينه باستخدام طريق أحرص أن يكون الأكثر ازدحامًا وتعثرًا، أو اطلب منهم الوقوف في طابور لتخليص معاملة:
اختاروا كاونتر 4 (أكثر صف ضجيجًا بالبشر)
واحد فقط يختار بعقله الطريق الأيسر والأقل تعثرًا أوالصف الأقل بشرًا!
واحد فقط يرفض أن يكون «جعلوني، فانجعل»، فيرفض الانقياد لرؤية غير مناسبة ولو تجملت بمسمى مقدس!
يؤوبون: فأربت ربتة «عفارم» على كتف من أطاع عقله وفكر واستخدم حواسه وقدر.
أبذل وزوجي جهدًا صادقًا لدحض مقولة «أمك التي لا تخمك»، لا تحريضًا لعصيان الأهل، بل هي مران لمزاولة التفكر، فنكرر لهم ثمانية عشر آية مفادها «أفلا يتفكرون»، لعلهم يفقهون.
وحين لاحظت شغف ابنتي بالحلوى، حدثتها عن ضرورة منع السكر كون العلماء يطلقون عليه السم الأبيض لتسببه للسرطان، فضلًا عن أنه يزيد الشهية برفع الأنسولين في الجسم.
استوقفتني ابنتي:«لو أن السكر سم قاتل ومسبب لمخاطر صحية لا حصر لها، فكيف تهادين بالسكاكر للأصدقاء؟».
اعترفت بذنبي رغم أنني كنت أحسب أنني أحسن صنعًا.
فأردفت: «لو صدقًا ما تدعين من أضرار جِسام للسكر، فكيف لا يُكتب على عبواته: «السكر ضار بالصحة» أسوة بالسجائر!
أوضحت لابنتي أن وزارات الصحة ستعجز عن مجابهة أباطرة اقتصاد الطعام القائم بشكل كبير على العجائن والسكاكر.
بالنهاية، اعترفت لي أنها لن تستطيع الامتناع عن تناول ولو قالب من الحلوى يوميًا، فما كان مني إلا أن ساومتها: «لو تريدين إجازة مني لتناولك السم البيض تحت مسمى الحلوى، إذن فلتجيزي لي تناول غرام من السم يومياً».
فشهقت رافضة، ووعدتني بالامتناع عن السم الأبيض «السكر» مقابل عدم التفكير في تناول سم أبيض له مسمى آخر.
عصارة القول، إن التفكر واجب وليس فضيلة كونه ينير طريقك ويحثك على التدقيق والبحث لا مجرد النقل الأعمى عن آخرين قد تكون لهم أغراض ترويجية وإن كانوا يحملون ألقاب أطباء أو مستشارين.
فالثقة تحثك على شراء زيت الزيتون لمعرفتك لفوائده، فتشتريه وتحسب أنك تحسن صنعاً، أما التدقيق فسيدفعك لتحرى اختيار نوعية الزيت البكر الممتاز المعصور على البارد وألا تستخدمه في التحمير كي لا يُهَدرج.
الثقة تجعلك تنصاع لشتى أقوال الوالدين والعلماء، أصابوا أم أخطئوا، أثابوا أم أجرموا، فيما سيجعلك العقل تولى كل تقدير لأهلك دون الوقوع تحت طائلة من استنكر سلوكهم الحق سبحانه بقوله:«إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ».
فتنتبه لتفعيل عبادة استخارة رب العالمين، وتعليها على رأي كل كبير، وإن خرجت على النسق والقطيع، فلن تأبه، كونك لا تبحث عن إرضاء القطيع بل رب العالمين، فتنجو ممن وصفهم الله سبحانه بقوله:«الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا».
كاتبة مصرية

داليا الحديدي