كتاب وأراء

اللهم لا تحرمني معاناتي

لا أعلم ما الذي حدا بديستويفسكي لأن يكتب يومًا كلمته الأشهر: «اللهم ما لا تحرمني معاناتي». فأكوام من البشر يستعيذون بالله من المعاناة ووحده ديستويفسكي يحرص عليها ويجد فيها الملاذ والذخر لحياته والنبراس لوجوده لكونها كاشفة لحقيقة البشر ومواقفهم و فاضحة لخذلانهم.
لقد نزلت مقولته الصادمة تلك كمطرقة على رأس القراء المغرمين بالإطلاع على كتابات تؤكد لهم ثوابتهم، إذ يتعاطى كثر من معشر القراء مع طقس القراءة على أنه ترف يميزهم ويمجدهم ويعلو بمكانتهم في إطار يصفه الفنان مصطفى رمحة بأنه: «مفهوم رومانسي تخديري للقراءة، حيث الكتاب مقرون بالعزلة ومخلوط بفنجان قهوة، ومصحوب بنغم موسيقى أو مصاحب للسفر في زمن لايزال الناس يتعاطون مع الكتاب على أنه خير صديق في الزمان». متناسين أن هناك أصدقاء سوء.
بالمقابل يأتي «كافكا» المفكر التشيكي الشهير ليتساءل:«ما جدوى قراءة كتاب لا يوقظنا بخبطة على جمجمتنا؟» فترد الأقدار: وما جدوى حياة لا توقظك بمواقف صادمة ألم تفهم جدواها، تم تكرارها بطرقات أخرى متتالية على رأسك لتعيد حساباتك وتغير مواقفك للأصوب.
ويمضى كافكا فيؤكد: «إننا نحتاج إلى تلك الكتب التي تنزل علينا كصاعقة تؤلمنا، كموت من نحبه أكثر مما نحب أنفسنا، إنها التي تجعلنا نشعر وكأننا قد ُطردنا إلى الغابات بعيداً عن الناس، مثل الانتحار». بل يذهب الكاتب التشيكي لأبعد من ذلك فيكتب عبارته الشهيرة، معلناً فيها: «على الكتاب أن يكون كالفأس التي تحطم البحر المتجمد فينا».
يبدو أن آفة البشر هي التسليم المسترخي بالمعتاد واليقين بالتقليدي وإرث القديم دون مساءلة بوضعه على ميزان البحث، إذ قل من الكتاب من هو عليم بضرورة طرح أسئلة ديناميتية تنسف الذهن النائم لتوقظه. وأقل منهم من يؤمن بأن من مهام الكاتب أن يعصف بالفكر حتى وإن احتدم مع القارئ ذهنًيا لشحذ زناد فكره ولو أرهقه، فالقراءة رياضة فكرية تستدعي قدح زناد العقول ولم تكن يومًا ولا يجب أن تكون فعلا مسترخيا مع المطبوع لتمضية الوقت والإطلاع على الجديد للتسلية.
سيأتي يوم يعي فيه القارئ أن التأمل والتفكر والبحث أهم من قراءة كتاب دون المستوى وإن كان مصنفا ضمن الكتب الأكثر مبيعاً، أو مروجا له بأغلفة وعناوين الكتب الجذابة أو حتى لو كان ممهورًا بتوقيع كاتب شهير حاز الجوائز الأدبية أو لو وجدته بين يدي لاعب كرة، لأن الفيصل الذي طرقه كافكا: «أي كتاب؟ هو الذي سيفزعنا حتى لا يمكننا الجلوس والقرار بعده».
أي كتاب سوف يوقظ ذلك القلق الوجودي، ويوقد شعلة الروح الخامدة والعقل الراكد الراضخ والقابل لابتلاع ما يلقى داخله كبلاعة لا ترفض ما يصب فيها.
‎لقد وصفت بعض الكتب من قبل بأنها ذاك «اللص الشريف» كونها تسرق وقتك وتضيع عمرك هباء في حين انك كنت تحسب انك تحسن صنعًا كون الاسم أنك تقرأ، تمامًا كطالب جالس على مكتبه يحسب أن مجرد مكوثه واطلاعه على الدرس كفيل بتحقيق النجاح له في الحياة، متناسيًا أن الأهم هو عثورك على ذلك الكتاب الفأس الذي وصفه الفنان رحمة بأنه سيحطم الآراء الراكدة في ثوابتك والبحر المتكلس في يقيناتك المتوارثة ومن ثم يحوله لجداول نقية صالحة لري العقل لإفاقته من الوهم وبالتالي يغير حياتك للأبد، وإذا لم نجده حقاً فما هو جدوى القراءة سوى الحصول على لقب المثقف؟
وكما ورد عن الفنان رحمة: «السؤال المصيري بالنسبة للقارئ، أن يراقب نفسه، قبل وبعد كل كتاب ينتهي منه، أن يحاكم ذلك الوعي التقليدي الذي ورثه، ويسأل: هل صرتُ أنا أم لا أزال صدى لغيري! الكتاب الذي سيغير حياتك، ليس بالضرورة بين دفتي كتاب واحد، ربما يكون قاطرات طويلة من الكتب» وبنهاية المطاف فإن الأمر لا يخلو من معاناة بحث ولكنها ستضمن لك معرفة الحقيقة عن ذاتك وكشف أوجه الخداع مهما.

داليا الحديدي