كتاب وأراء

«سيلفي»: الأثر الاجتماعي للسخرية

السخرية، وإن لم تكن الخطوة الأولى، إلا أنها خطوة مهمة لتفكيك أي حالة اجتماعية والنظر إليها بطريقة مختلفة عن النظرة التقليدية السائدة، والتي تدفع إلى التعامل مع هذه الحالة والتغلب عليها لاحقا من خلال النقاش المجتمعي العام، من الواضح أننا نتغلب على خوفنا من خلال وضعه مادة للسخرية كخطوة أولى، السخرية التي هي بمعنى من معاني التذليل، وسخرته أي: قهرته وذللته.
إذا السخرية فيها قهر وتذليل لكل ما يصعب الوصول إلى قهره وتذليله بطريقة أخرى، «أثبتت دراسة أن الأسلوب الساخر أقوى إدانة للفعل الذي تتمحور حوله الدراسة».. والسخرية تحفز التفكير أيضا، التفكير المشارك والمسائل.. وفي ظني أن ما يقوم به البرنامج التليفزيوني «سيلفي» يصب في هذا الاتجاه؛ عندما يضع التشدد الديني، أو التمييز المبني على الاختلاف المذهبي، في إطار ساخر.
إذ إنه بهذا يفك عنه في البداية الدرع الصلد الذي يحتمي به، صدفته الصلبة والقاسية التي تمنع من النظر إليه في الداخل مثلما هو: هش، وتحميه السمعة فقط.. أقصد بذلك صدفة التحريم الاجتماعي.. صحيح أنها ظواهر تم نقاشها والتعاطي معها لكن تم كل هذا بشكل نخبوي ولم تصبح بهذا القرب قبل أن يتم استدعاؤها فنيا.
ما يقوم به «سيلفي» في بعض حلقاته التي تختص بهذه الموضوعات، يفوق ويتجاوز في أهميته النجاح المبني على التقييم الفني، وبالتالي لا يصبح نقده فنيا ذا بال، في رأي أنه حقق غايته ونجاحه الاجتماعي وليس الفني بمجرد أن طرح موضوعه، في اللحظة التي اختار فيها هذا الفضاء المغلق والمتعالي على النقد أو التنصيص إلا في إطار وعظي متخصص له بنيته المفارقة عن المتاح.. إذا بمجرد أن أخذ «سيلفي» موضوعه من هذه المنطقة الحذرة والمتعالية، ووضعها في إطار ساخر، يكون بهذا قد حقق غايته، أو لنقل بشكل أكثر دقة حقق غايته الاجتماعية، نختلف أو نتفق حول الشكل الفني أو الدرامي أو الكتابي أو باقي إكسسوارات العملية الإنتاجية، إذ إنها في النهاية منطقة مختلفة من الجدل.. يكفي أنه وضع المجتمع المعني بهذا المنتج، وبعيدا عن الرقابة الوعظية الأبوية، في مواجهة مع بنية ساخرة للخلاف برمته، أدخل السخرية بشكل مباشر إلى البنية العقلية التي يتمحور حولها هذا التمييز الطائفي، وأصبح المجتمع ينظر ضاحكا– عندما نسلم أن الإضحاك هو أحد شروط العمل الساخر- إلى ما كان ينظر إليه متشنجا ومتحفزا ومجيشا، أصبح ينظر من زاوية ساخرة إلى ما كان ينظر له من زاوية وعظية، زحزح التلقي في الحالة الأولى ليصبح تلقيا حرا ومتفكرا وناقدا بالضرورة، وهذا ما تفضي له الأعمال الساخرة كنتيجة، زحزحه من منطقة التلقي المنجز والمغلق وغير القابل للنقاش، ليصبح في منطقة جديدة ومتاحة ويمكن فهمها على الأقل، عندما لا نكون متفائلين ونقول يمكن وضع حلول لها، ظهر هذا جليا من خلال النقاش المجتمعي الهائل الذي تبع طرح هذه الحلقات، والذي خرج من منطقة المع والضد، إلى منطقة جديدة تتعلق بكم هو خلاف هش وتافه وغير منطقي، وأصبحت بالتالي الحزمة الوعظية التي كانت تشرف على هذه المنطقة في حالة مواجهة مع عقلية ذات فهم مختلف تحتاج معه إلى طرح مختلف وأقل تشنجا.
بقلم : ضيف فهد

ضيف فهد