كتاب وأراء

.. وما قدروا عليه

وانتصرت الأخلاق بل كل يومٍ نتأكد من انتصارها، هذه الأخلاق التي باتت مضرب َ مثلٍ أمام شعوب العالم أجمع، ففي ميدان الحياة حين تُضرب في وجدانك تهّب للدفاع بكل قوتك، وحين تُطعن في اسمك وعرضك تندفع لا مبالياً بالنتائج لرد الصاع صاعين، وليس عليك اللوم، فأنت تتعرض للأذى الذي لا تحتمله نفسٌ بشرية ولا عقلٌ يتصوره، وكلنا لن ينسى الخامس من يونيو عام ألفين وسبعة عشر حين فُرض حصار جائر على الدولة، من دول الجوار المرتبطين كعوائل بصلة رحمٍ منذ سنوات، حصار مُفتعل طال الأخلاق والأعراض وأساء للأنساب وما ترك فضيلةً إلا زج بها في وحل التصرفات قولاً وفعلاً، مناسباتٌ سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية، تحولت لحفلات سبٍ وشتم من دول الحصار لدولة قطر، ككيانٍ وقائدٍ وشعب ومقيمين ولم يسلم منهم كبير أو صغير.
ولم تسلم الرياضة أيضاً التي نردد أنها يجب ألا تُسيس، فهي متنفس الشعوب والوسيلة التي تُقرب الثقافات على اختلافها، باعتبارها لغة عالمية، وغداً الجمعة نشهد واحدةً من البطولات الرياضية الآسيوية التي خرج من أدوارها السابقة منتخباتٍ عربية، كان البعض يتوقع لها الأفضل، والتاريخ عموماً لا ينسى وتاريخ الكرة الرياضية تحديداً سيُبقى هذه البطولة في ذاكرته للأجيال القادمة، بطولةٌ أكثر ما أكدت عليه هو نُبل الأخلاق القطرية عموماً، فكل لاعب هو سفير لبلده تماماً كما كل مواجهة جمعت العنابي بمنتخب آخر، هي إثبات على أن الكرة القطرية بخير وقادرة على المنافسة، مواجهة نصف النهائي التي جمعت العنابي بمنتخب البلد المستضيف كانت عنواناً بارزاً لمعنى الخُلق الرفيع واللعب النظيف والأداء الراقي، لعب العنابي كما يلعب مع أي منتخب، متحاشياً أن يتعامل مع الخصم كخصمٍ يُحاصر بلده وأهله ويحرمه من أداء إحدى شعائر دينه، لعِب العنابي بمواجهةِ ندٍ رياضي لا مُسيءْ أخلاقي، بينما لم تحترم هذه الدولة المنتخب القطري كمنتخب على الأقل أو لنقل كضيف «أليس للضيف كرامة الوصل !!» سؤالٌ لا يجد إلا سوء التعامل لديهم.
وكما بدأت المقال «سبحانه» حقاً سبحانك يا رب، المنتخب القطري لعب بلا جمهور بلا مشجعين وعلى أرضٍ تسيء لحضوره ووجوده وكيانه كمنتخب كباقي المنتخبات المشاركة، ظروف تعتبر في عالم الرياضة بكثير من الأحوال سبباً لسوء النتائج باعتبار أن العامل المعنوي مهم جداً، رغم ذلك سخّر الله للمنتخب مشجعين ومُحبين ومن يهتف باسمه عالياً ويرفع الأدعم مرفرفاً في دولةٍ حاصرت قطر وأرادت بأهلها سوءًا، سبحانك ربي.
تسخرت لهم السُبل وتسخرت لهم القلوب وتسخرت لهم الدعوات الصادقة وتسخرت لهم النتائج الباهرة، وغداً هم أحد طرفيّ النهائي في خطوة تُحسب للكرة القطرية ولقطر التي تحتضن كأس العالم متسلحةً بثقة الفيفا وبإنجازاتها الكروية وتجهيزاتها اللوجستية والبنى التحتية وبلاعبيها الذين صنعوا التاريخ في كأس آسيا ألفين وتسعة عشر.
ونعم «قدرو عليه» لقد استطاع العنابي أن يحول العراقيل والصعوبات إلى نجاحات وتميّز شهدت به الصحافة العالمية قبل العربية، استطاع العنابي تحويل العرس الرياضي لوطنيّ بما قدمه من أداء باهر وخُلق ظاهر، والمباراة وإن شهدت أهدافاً في المرمى فقد شهدت أخلاقاً في البطولة، فهل سينسى التاريخ لاعبنا- أكرم عفيف- حين ساعد لاعب المنتخب الإماراتي على النهوض بعد سقوطه أرضاً إثر احتكاك بينهما في لفتة لقمة الأخلاق العالية أم سيتذكر التاريخ ملعباً امتلأت جنباته بالقوارير والأحذية المُلقاة على لاعبينا !؟
بين ذكرى ونسيان نقول، سياسياً ورياضياً وأخلاقياً قطر فازت.
النهائي لرجاله.
بقلم: ابتسام الحبيل

ابتسام الحبيل