كتاب وأراء

الدوحة مفتاح الصبر والحكمة

- 1 -
تتجلى قوة الدبلوماسية القطرية في مقدرتها على الصبر والحكمة في إدارة ملف أزمة دارفور رغم ما فيه من تعقيدات وتداخلات وانتكاسات في بعض المرات. لو كان في مكان قطر أي دولة أخرى لقررت بعد أشهر فقط إغلاق الملف والهروب عبر أكثر من باب. الحقائق تقول إن ما تحقق عبر وثيقة الدوحة في واقع الحياة بدارفور الكثير لكن من الواضح ان الإعلام عجز عن إعطائه ما يستحق من اهتمام.
أكبر اختراق أحدثته وثيقة الدوحة أنها أدخلت أطرافاً أساسية ومركزية، كانت مُهملة ومُهمَّشة في معادلة التفاوض، وفي واقع الحياة السياسية بدارفور.
دخول أهل المصلحة في السلام والاستقرار ضمن المعادلة الحاكمة للأوضاع في دارفور فَرَضَ حصاراً سياسياً وأخلاقياً على أصحاب الأجندة الحربية.
قلناها من قبل ولن نمل تكرارها اليوم:
(ما كان ذلك ليحدث لولا حكمة وصبر وتواضع الوسيط القطري السيد أحمد بن عبد الله آل محمود، فهو الذي طاف على دارفور كلها من قرى ومدن ومعسكرات واستمع للمواطنين (الأعيان والبسطاء)، ودخل المعسكرات وجلس على الأرض يشرح ويُفسِّر، ويُعيد بناء جدار الثقة، لم ييأس أو يُحبط، ورغم الصعاب والعقبات والانتكاسات ظلَّ على ذات الحماس والإرادة القوية وهدوء العلماء ووقارهم، لم يفقد في أية لحظة ابتسامته الوضيئة، المحرضة على التفاؤل، والهازمة لجيوش المحبطين).
- 2 -
سبع وسبعون مبادرة لإنهاء أزمة دارفور لم تستطع تحقيق ولو القليل مما حققته وثيقة الدوحة.
أزمة دارفور الآن تتمثل في تجار الحرب الذين ليس في مصلحتهم اكتمال مشروع السلام.
قبل أربع سنوات تقاطعت فلاشات المصورين على مشهد تلتقي في تفاصيله الكوميديا بالمأساة.
المكان فندق قيون بأديس أبابا، وهو فندق عريق من أزمنة الإمبراطور الإثيوبي هيلاسلاسي، وظل لعقود يستضيف أحداثا سياسية كبرى إلى أن أصابته الشيخوخة.
مجموعة من حركات دارفور جاءت لتوقع اتفاقاً مع الحكومة السودانية، وفي المؤتمر الصحفي الذي تم فيه الإعلان عن ذلك الاتفاق، جلس على المنصة الرئيسية خمسة من قيادات المجموعة، ووقف خلفهم عشرة أو يزيد، باعتبارهم حُراسا للجالسين، وكانت تبدو عليهم ملامح الجدية والصرامة وقسوة الصحراء.
- 3 -
خلف الصورة كانت تختبئ فكرتان أساسيتان:
الفكرة الأولى تعكس رغبة المجموعة في التكاثر أمام الكاميرات لتنفي عن نفسها ضآلة الوجود الميداني، والثانية تكشف جانباً مهماً من أزمة حركات دارفور وهي أن الجالسين على المقاعد يمثلون الشق السياسي المتغير في الحركات، والواقفين خلفهم يمثلون الجانب العسكري الميداني الثابت.
المفارقة الخطيرة أن الساسة الجالسين على المقاعد هم المتغيرون في معادلة الحرب والاتفاقيات. أما العساكر الواقفون فهم الثابتون ينتظرون في كل مرةٍ قيادة جديدة توفّر لهم مشروعية سياسية، للنهب والسلب والحصول على غنائم المعارك في مقابل حصول السياسيين على المقاعد!
حينما تعقد الحكومة السودانية اتفاقاً مع القيادة السياسية لحركة محددة، تنتقل هذه القيادات إلى الخرطوم ضِمنَ صفقات التعيين والتوظيف السياسي وتترك جنودها في الميدان.
الجنود مع الأيام وطلبات وعروض الاستعانة يتحول ولاؤهم القتالي لقيادة أخرى تجلس بهم على مائدة تفاوض جديدة!
- 4 -
المؤسف أن أزمة دارفور فتحت باباً واسعاً للاستثمار ولبزنس الحرب، فهناك جهات عديدة دولية ومحلية تتعاظم مصالحها في استمرار أوضاع عدم الاستقرار وبقاء الإقليم في منزلةٍ بين المنزلتين، بين الحرب والسلم.
سياسيون يبحثون عن المناصب وما يترتب عليها من مكاسب مالية ومعنوية، وعسكريون يجدون في هذه الحالة الملتبسة، وضعا صالحا للسلب والنهب وبيع الولاءات، ومنظمات تستفيد من الحالة في جمع التبرعات واستدامة الدعم، ومثقفون وأنصاف متعلمين تصبح عندهم دارفور بطاقة رابحة في نوافذ اللجوء السياسي وبرامج إعادة التوطين بالدول الغربية.
ومن هنا ظلت الوساطة القطرية بقوة وصبر تواجه العديد من التحديات في إرساء دعائم السلام في دارفور، أزمة لا تخفى فيها الأصابع الإقليمية والدولية الملونة، فضلاً عن انشقاق الحركات بمتوالية هندسية، ورغم ذلك ظلت الدوحة على وعدها وسعيها لترسيخ السلام.
بقلم : ضياء الدين بلال

ضياء الدين بلال