كتاب وأراء

قطر والدعم العربي

ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة التي تمد فيها الدوحة يد المساعدة السخية للدول العربية التي تعاني صعوبات اقتصادية واجتماعية بسبب أوضاعها الداخلية. فقد نشطت في الآونة الأخيرة الجمعيات الخيرية القطرية في تونس وفي مخيمات اللاجئين السوريين من أجل التخفيف من معاناة النازحين والفقراء بسبب موجة البرد القوية التي تضرب المنطقة في فصل الشتاء. بالأمس القريب قدمت دولة قطر مساعدات مالية مهمة للبنان وقبلها مساعدات عسكرية كبيرة لدولة الصومال من أجل مكافحة الإرهاب.
ليس الدعم القطري للدول العربية نابعا من مصلحة استثمارية مالية لكنه ينطلق من مبدأ التضامن العربي الذي يتصدر الأولويات الخارجية للدولة. ليست قطر الدولة الغنية بحاجة إلى الاستثمار في الدول العربية من أجل عوائد مالية هي في غنى عنها لكنها تؤكد دائما موقفها المبدئي في الوقوف مع عدالة القضايا العربية وفي مدّ يد للعون للدول المحتاجة عند الأزمات الاقتصادية الخانقة.
من جهة مقابلة تنشط دول عربية أخرى بنفس الإمكانيات المادية في مقايضة المساعدات والمعونات بالمواقف السياسية أو حتى بمصادرة السيادة. في اليمن وفي تونس وفي مصر خاصة ربطت دول خليجية مساعداتها بأجندات سياسية متمثلة خاصة في نصرة طرف سياسي على حساب آخر وتقوية نظام على حساب آخر خاصة إذا كان هذا النظام نظاما انقلابيا غير شرعي أو نظاما مرتبطا بالمنظومة الاستبدادية القديمة.
في نفس هذا السياق ولهذا السبب حُوربت قطر على واجهة المساعدات والعمل الخيري وحاولت قوى كثيرة ربط هذه المساعدات بالتدخل في الشؤون الداخلية للدول أو غيرها من التهم التي تسعى عبرها إلى ثني قطر عن العمل الخيري في الدول العربية الشقيقة. ليست هذه المحاولات رامية إلى تعويض الدور القطري عربيا بقدر ما هي سعي إلى منع العمل الخيري والتضامني المختلف بما هو واجب عربي وواجب إسلامي تحتمه روابط الانتماء والعقيدة. ولا شك أن سعي دول الحصار منذ بدايته إلى ربط المؤسسات الخيرية القطرية بالإرهاب ليس إلا محاولة إلى تشويهها ومنعها من تحقيق الدور الذي أنشئت من أجله في التخفيف من المعاناة التي صنعها النظام الرسمي العربي نفسه.
تحافظ قطر بمبادراتها الخيرية وبكل أدوار الوساطة التي قامت بها على امتداد العقود الماضية على مرتبة متقدمة من النضج السياسي والحكمة الدبلوماسية في إدارة الأزمات وفي الترفع عن كل المستنقعات التي يحاول النظام الرسمي العربي بكل أذرعه إسقاطها فيها. قطر نموذج حي عن الدولة العربية النوعية التي لا يريد الآخرون له أن يكون لكنهم يتناسون أنّ للتاريخ أحكامه ونواميسه التي لا يستطيعون إيقافها أو منعها.
بقلم: محمد هنيد

محمد هنيد