كتاب وأراء

مجتمعنا المطمئن.. أين غاب؟

كان ما يربطني بالدوحة هو الذهاب إلى المدرسه صباحا أو الذهاب إلى مستشفى الرميلة عند الحاجة وأيام الأعياد حيث نستأجر تاكسيا وأذهب وبعض الإخوان إلى منطقة «البدع» حيث يسكن أخوالي «آل تركي» السبيع الكرام، وكان البدع عبارة عن فريج ضيق الأزقة والممرات يسكنه السودان والربان وبعض العطية وآخرون عموم، وأذكر أننا كنا نمر على جميع البيوت ما أمكن للحصول على العيدية ولا نرجع إلى الريان إلا وقد كنا استنفدناها، حيث البحر قبل الكورنيش الحالي مجاور للبيوت وبعضنا يتعلم «الحداق» والبعض الآخر يقضي وقته على البحر أو أمام أحد االدكاكين في البدع مع الأصحاب والأهل أو الأقارب من الشبان في ذلك الوقت. في غير هذه المناسبات المحددة كنا محكومين بجغرافية الريان صيفا وشتاء ما عدا الخروج للبر أو للبحر. كان للريان طبيعة خاصة وهي على ما أعتقد التي أعطته هذا المسمى الجميل فهو محاط تقريبا بالمزارع وحتى كنا نستيقظ باكرا على أصوات ماكينات جلب المياه في هذه المزارع وبه العديد من برك السباحة ففي بعض المزارع هناك أكثر من بركة، نقضي أوقاتنا صيفا في السباحة فيها وفي صيد الطيور، وكنا نواجه ممانعة ورفضا أحيانا من المشتغلين فيها من أهل عمان أو البلوش، وكان زرع الشيوخ موكولا به رجل من أهل الحوطة اسمه «ابن غميان» ومعه علي العقيلي رحمهما الله وكان والدي يمتلك مزرعة في غرافة الريان داخل سور المدينة التعليمية الآن بها بركتان للسباحة، في الليل ليس هناك سوى جلعة «قلعة» عبدالله بن جاسم التي يسكنها حفيده الشيخ جاسم الذي كان يحبه محبة خاصة حتى أنه كان يدعى باسمه جاسم بن عبدالله وهو جاسم بن علي بن عبدالله، لكنها ليس لمن كان في مثل سني حيث إنني كنت صغيرا بالنسبة لأولاد الشيخ فأحيانا يسمحون لمن هم في سني بالدخول لمشاهدة الأفلام التي كانت تعرض يوميا تقريبا. وكان من أشهرها فيلم مغامرات عنترة بن شداد بطولة سراج منير وكوكا وكان يعرض باستمرار بالإضافة إلى فيلم آخر فظيع اسمه «لص بغداد» لا أدري ما جنسيته أو من هم أبطاله، أما الجانب الآخر فكان في بيتنا «دجة» أو دكة خارجية للجلوس عليها في الليل حيث الهدوء التام والسكون الجميل، ومعظم بيوت أهل قطر كانت تحتوي على «دكيك» حيث لم يكن الضيق معقولا والمساحات خالية والفضاء واسعا. بالإضافة إلى المجلس بالطبع، تليفزيون أرامكو أدخل وعيا جديدا، فلم يكن في المنطقة سوى تليفزيون الكويت وكان إرساله ضعيفا ونادرا ما يكون واضحا ومستمرا، حين كنا نتشوق لمسلسل «أبو جسوم» الشهير في تلك الأيام، أما تليفزيون أرامكو من الظهران فكان من الممكن مشاهدته بشكل شبه منتظم، وكان حقيقة على قدر من التخطيط الواعي لثقافة المنطقة كانت كانت جميع أفلامه مدبلجة تماما باللغة العربية، كما أنه ذو أجندة ثقافية فهناك برنامج «زاوية الكتب» لإسماعيل ناظر، وهناك «بابا حطاب» برنامج للأطفال، هناك أيضا المصارعة الحرة التي امتلكت قلوب الكبار «الشيبان» في ذلك الوقت وكأنهم ملوا من دعة الحياة وسكونها ويريدون استرجاع أيامهم الأولى في مصارعة البحر بحثا عن اللؤلؤ، من كثر ما كانوا حريصين على متابعة المصارعة الحرة، ومازلت أذكر أسماء بعض مذيعي ذلك التليفزيون وهم عيسى الجودر من البحرين وعثمان الورثان من السعودية. أيضا كان نجومنا في تلك الأيام فريد شوقي وأحمد رمزي ومن ثم رشدي أباظة، وكان أحدنا يخبر الأخير إذا ما استعلم عن موعد لعرض فيلم لفريد شوقي، ليقوم بإصلاح الإريـال «الهوائي» وتوجيهه الوجه السليمة ليتمتع بمشاهدة مثيرة وممتعة تمتص انفعالاته الداخلية ليستلقي في فراشه ساكنا مستسلما للحظات من النوم الهانئ. ولم يكن يمر وقت طويل حتى نظفر بعزيمة أو يقيم الوالد عزيمة، كان ذلك سلوكا حميدا فهناك العائد من السفر وهناك الحاج الراجع من البيت الحرام وهناك الوافد الجديد، وهناك من رزق للتو بولد وهكذا.

عبدالعزيز الخاطر

عبدالعزيز محمد الخاطر