كتاب وأراء

شهر رمضان اختبار للصبر والعزيمة


يفرض شهر رمضان الفضيل كما الحج صورة للمسلمين في اذهان الاخر، صورة تتكرر سنوياً لتحكم الحقيقة بأن هناك ثمة أمة وثمة مجتمع من الناس يجتمعون على فعل معين في لحظة زمنية معينة، ويقومون بنفس الاعمال رغم اختلاف الاعراق والثقافات. ذلك أمر عميق لا ينبغي ان يمر على المسلمين دون تجليات تعيدهم إلى دائرة ايمانهم بذاتهم وعظيم ما هم ما عليه.أمر يشير إلى حالة الوحدة والانصهار الذهني في فعل الصوم الذي وصفه رب العزة انه فعل بحاجة إلى الصبر والعزيمة. تلك معاني يفرضها شهر رمضان، يجعلها راسخة حتى وان كانت في بعض مجتمعات المسلمين أقرب إلى الشكلية، لكنها تبقى منظورة ومستشعرة سواء من المسلمين أو من غيرهم.
ورغم هذه المعاني العظيمة التي يفرضها شهر رمضان بصمت، الا ان الفعل البشر لبعض المسلمين كثيراً ما يحدث خللاً في جمال الصورة المتشكلة. فعبادة الصوم -والابتعاد عن الطعام وغيره مما يطيب للنفس- التي ينبغي ان تكون اختبارا للصبر والعزيمة يجعلها البعض مبرراً للغضب والانفعال في مناسبة وغير مناسبة، وبذلك يتحول بعض الصائمين إلى عبء سلبي على عبادة الصوم. ان الحالة الايمانية والايجابية العظيمة التي ترافق الصوم يفترض ان تستمروتتعزز إلى ما بعد الصوم لا ان تذهب خلال شهر الصوم.
مشهد آخر يقوم فيه البعض وهو متناقض تماماً مع ابسط معاني ومقاصد الصوم، ذلك هو الاسراف. يبدو أن هناك رغبة إلى تحويل الشهر الفضيل إلى شهر للاستهلاك المفرط لا سيما في الطعام والشراب. فحالة التعلق بالطعام وشراء ما يحتاج الفرد المسلم وما لا يحتاج تبدو ملفتة للانتباه حتى من غير المسلمين. يصعب تبرير تلك الحالة ويصعب تفسير الزيادة في طرح الاطعمة بطريقة ملفتة للنظر في اماكن التسوق؟ بالنظر إلى ساعات الافطارمنذ اذان المغرب وحتى اذان الفجر فإن النفس الإنسانية الطبيعية لا يمكن ان تستهلك الا ربع ما تستهلكه في الايام العادية. ثمة ابعاد لشهر الصوم من دائرة التعليم للنفس والتهذيب واخذه إلى الاتجاه المضاد تماماً، تلك مسألة ينبغي ان يدفع كل مسلم نفسه بعيدة عنها بل ويعزز من قيم التهذيب ما استطاع إلى ذلك سبيلا.
مشهد ثالث يمكن ملاحظته في تفاصيل تعاملنا مع معاني شهر رمضان، ذلك هو الانقطاع عن الاخرين والتركيز على النفس. في معاني شهر رمضان ثمة قيمة التواصل والسؤال عن الآخر لكن ما يمكن ان يلمسه البعض هو حالة من الانقطاع النسبي تحدث خلال ايام الصوم، ويبدو ان البعض يبررها في طبيعة الروتين اليومي لنهار الصائم، وانه ليس من اليسير المحافظة على التواصل. تلك مسألة ينبغي ان يراجع الصائمون أنفسهم حولها ان ارادوا ان يتحقق من صومهم الهدف الذي أراده خالق الصائمين عز وجل.
شهر رمضان بوصف أهل الرياضة هو تدريب للنفس على مسائل شتى، وهو تدريب يفرض على الإنسان مراجعة معايير إنسانيته ومدى التزامه بها. تلك المعايير التي تسعى إلى الارتقاء بالإنسان ولاسيما الصائم إلى درجات من الإنسانية قد لا يستشعرها ولا يصلها الا هو.من هنا وجب العمل بجد وعزيمة للابقاء على تلك المعاني السامية الايجابية وابعاد كل ما يناقض تعزيز تلك المعاني. ذلك يتطلب جهداً غير بسيط في زمن تتنافس فيه القيم وتتدافع.
انه رمضان الخير مرّ عليه أمم قد خلت وسنمر عليه مثلما مرت عليه تلك الامم، رمضان العبادة الثابتة في قيمها العليا والبشر متغيرون يمرون في محطته فلا أقل من أن يغنموا من تلك المحطة بما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.
بقلم : محجوب الزويري

محجوب الزويري