كتاب وأراء

حكاية عربية حول مسلسل «دالاس»

تستقطب «المسلسلات التليفزيونية» خلال هذا الشهر الكريم جمهوراً واسعاً من المشاهدين. مسؤولو القنوات التليفزيونية يعتقدون أن هذه المسلسلات ترفع نسبة المشاهدة إلى أرقام قياسية، وفي ظنهم أنها الفرجة الملائمة في شهر رمضان. لكن ليس هذا موضوعي، لذا أنتقل إلى موضوع لصيق.
كثيرون لا شك يتذكرون المسلسل الأميركي «دالاس».
اكتسب ذلك المسلسل شعبية واسعة في العالم العربي. كانت حلقات المسلسل تدور في مدينة دالاس بولاية تكساس حول حياة أسرة ثرية تعمل في مجال النفط وتربية الأبقار. وبسبب نجاح ذلك المسلسل أنتجت عدة مسلسلات على غراره كان آخرها عام 2012.
بثت مسلسل «دالاس» معظم تليفزيونات العالم العربي، وكان ذلك في أواخر عام 1981 ومطلع عام 1982 واستقطب آنذاك جمهوراً عريضاً من مشاهدي التليفزيون في العالم العربي.
أتذكر الآن أن وكالة رويترز كانت قد بثت تقريراً من الجزائر حول الإقبال منقطع النظير على المسلسل، وأشارت في تقريرها إلى أن أفضل وقت تسير فيه بسيارتك في شوارع العاصمة الجزائرية، التي كانت تعاني وقتها اكتظاظاً في حركة المرور، وتستمتع بالتجول في العاصمة الجزائرية هو ان يتزامن خروجك من منزلك مع موعد بث المسلسل التليفزيوني.
رصد ذلك التقرير مسألة لم تكن ظاهرة على السطح آنذاك، وهي رغبة الجزائريين العارمة في التعرف عن كثب على أميركا ولم تكن الجزائر قد عرفت آنذاك الانفتاح السياسي الذي ستعرفه لاحقاً.
أتذكر أيضاً أن مسلسل دالاس كان قد أثار جدلاً كبيراً في المغرب، خاصة أن عرضه تزامن وحالة احتقان سياسي وتوتر بين أحزاب المعارضة والنظام.
وفي هذا السياق حدث أيامئذٍ جدال بين المعارضين والمؤيدين لعرض المسلسل، كما هو الشأن بالنسبة لأي عمل أميركي، وكتب وقتها من يقول إن عرض المسلسل يهدف إلى صرف أنظار الناس عن قضاياهم الحقيقية.
لم يكن ذلك الطرح مقنعاً، إذ كيف يترك الناس قضاياهم الحيوية ويهتمون بمسلسل تليفزيوني.
استقطب المسلسل حتى داخل أميركا نفسها وهذه من الأمور النادرة اهتماماً واسعاً.
أقول من الأمور النادرة لأن الأميركيين عموماً، لا يهتمون بالأشياء التي لا تتعلق بمحيطهم الاجتماعي أو الحياتي، أو على الأقل تحدث في ولايتهم وفي بعض الأحيان مدينتهم، وبما أن المسلسل لم يكن يتعرض لحدث آني، فقد اعتبر نجاحه وقتئذ أمراً استثنائياً.
لست هنا في مجال كتابة نقد لمسلسل مضى على عرضه أزيد من ثلاثة عقود، لكنني أعرج إلى واقعة طريفة تتعلق بمسلسل دالاس، لها ارتباط بحالة مراسل صحفي أراد أن يتحرى الصدق والموضوعية أكثر من اللازم.
بادرت إحدى الصحف العربية وقتئذٍ بإنجاز استطلاع للرأي في العالم العربي، حول سبب الإقبال اللافت على مسلسل دالاس، خاصة أن مشاعر العداء لأميركا في تلك الفترة كانت في أقصى حالات تأججها.
هكذا أرسل المحرر الفني رسالة تحمل اقتراحاً مفصلاً لمراسلي الصحيفة في العواصم العربية التي يوجد بها مراسلون يطلب منهم إجراء استطلاع وسط شريحة متباينة من المشاهدين حول انطباعاتهم بشأن المسلسل.
بعد أن تجمعت الأجوبة من مختلف العواصم نشر الاستطلاع حول المسلسل. مثل أي استطلاع للرأي في العالم العربي تباينت الأجوبة بين متحمس للمسلسل ومنتقد له.
لكن أطرف الأجوبة كانت تلك التي جاءت من إحدى العواصم العربية (لن أذكر اسمها وأترك لكم مهمة التخمين) إذ أرسل المراسل من تلك العاصمة نتائج الاستطلاع والآراء التي أنجزها وسط شريحة متنوعة من المشاهدين.
كانت مواقف في مجملها ضد المسلسل باعتباره «يكرس هيمنة الثقافة الإمبريالية».. إذا كنتم تتذكرون هذا المصطلح.
ثم ختم المراسل الصحفي تقريره بملاحظة تقول «قال أربعة أشخاص إنهم لم يسمعوا بالمسلسل بمن فيهم كاتب هذا الاستطلاع».

بقلم : طلحة جبريل

طلحة جبريل