كتاب وأراء

فلسطين والرهان العقيم على المفاوضات

مع انعقاد اجتماع باريس، وطرح المبادرة الفرنسية، عاد البعض في الساحة الفلسطينية إلى مواصلة المراهنة على الجهود الدولية لإحياء مسار المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية ودفع الحكومة الإسرائيلية لقبول حل الدولتين، وذلك على الرغم من أن التجربة لأكثر من عشرين عاماً أثبتت عقم هذا الرهان، وأكدت بما لا يدع مجالاً للشك أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على اختلاف ألوانها الصهيونية استخدمت المفاوضات وما تزال غطاءً لتحقيق ثلاثة أهداف أساسية:
الهدف الأول:إجهاض الانتفاضات الفلسطينية المتواصلة ضد الاحتلال، والحيلولة دون تجذر حركة النضال الوطني التحرري الفلسطيني وسيادته على الساحة الفلسطينية على حساب ما يسمى خط الاعتدال.
الهدف الثاني: امتصاص نقمة الرأي العام الدولي ضد السياسات الصهيونية التعسفية والاستيطانية والعنصرية التي تمارسها سلطات الاحتلال ضد الشعب العربي الفلسطيني وأرضه ومقدساته وبالتالي العمل على تجميل صورة إسرائيل وفك العزلة الدولية عنها وإظهارها على أنها جنحت نحو السلام.
الهدف الثالث: استخدام المفاوضات غطاءً لمواصلة عمليات الاستيطان والتهويد وتحويل ذلك إلى مسالة نزاع يجري التفاوض بشأنها لإيجاد حل لها في المفاوضات تماما كما جرى في اتفاق أوسلو بجعل مصير الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة مسألة نزاع يجري حسم أمرها في المفاوضات.
هذه الأهداف الإسرائيلية جرى تحقيقها كاملة طوال مسيرة المفاوضات منذ توقيع اتفاق أوسلو وحتى اليوم، ونجحت «إسرائيل» في ظلها بتحقيق الآتي:
اولاً:التهرب من أي التزام أو مواعيد تقضي بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية والقدس الشرقية وبالتالي ممارسة سياسة المماطلة والتسويف والتمييع في كل ما من شأنه أن يقود إلى الاتفاق على قضايا الوضع النهائي وإقامة دولة فلسطينية مستقلة وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أرضهم وديارهم، وبالتالي تحويل المفاوضات إلى ملهاة ومسرحية ومفاوضات من اجل المفاوضات تخدم الأهداف الإسرائيلية فقط.
ثانياً: العمل يومياً في ظل المفاوضات على زيادة منسوب البناء الاستيطاني والتهويد للأرض الفلسطينية في الضفة والقدس الشرقية في اطار خطة تقضي باستكمال فرض الأمر الواقع الصهيوني فيها بما يحول دون انسحاب إسرائيل منها في اطار أي حل نهائي، وهذا ما حصل فعلاً، فبعد 24 سنة على اتفاق أوسلو نجحت الحكومات الإسرائيلية بالاستفادة من مظلة المفاوضات، وتمكنت من بناء المزيد من المستوطنات وزيادة أعداد المستوطنين في الضفة والقدس من 150 ألف إلى 650 ألف مستوطن، وكذلك جعل الوجود الاستيطاني أمراً واقعاً من خلال قبول السلطة الفلسطينية بعرض مبادلة الأراضي في أي اتفاق شامل.
رغم كل هذا المسار الكارثي والمدمر الناتج عن المراهنة على مسار المفاوضات عادت السلطة الفلسطينية إلى تعليق آمالها مجدداً على اجتماع باريس والمبادرة الفرنسية لعقد مؤتمر دولي.
ولأن هذا هو الواقع كان من الطبيعي أن يفشل الرهان على اجتماع باريس والمبادرة الفرنسية وبالتالي أن ينخفض سقف التوقعات في البيان الصادر على النحو الذي لا يزعج إسرائيل، وهو ما دفع مسؤولي السلطة الفلسطينية إلى انتقاده والتعبير عن الخيبة من البيان الذي جاء خالياً من أي خطوات عملية تلزم إسرائيل بل أنه ذهب حد المساواة بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي ليتبين بعد ذلك أن وزير الخارجية الأميركية جون كيري كان وراء الصيغة النهائية للبيان والتي جاءت دون سقف المبادرة الفرنسية التي أصلاً لا تلبي الحد الأدنى من المطالب الفلسطينية.
ويبقى السؤال الأساسي الذي يطرح يومياً:
إلى متى تظل قيادة منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية تواصل المراهنة على الاستمرار بالتمسك بخيار المفاوضات وعدم الخروج من نفق أوسلو الكارثي والمدمر للقضية الفلسطينية؟!.
ألم يحن أوان الاتعاظ من دروس وعبر هذا المسار، والعودة إلى التزام خيار المقاومة والانتفاضة والتمسك بالثوابت الوطنية. وهو خيار تأكدت صوابيته وانه قادر على تحرير الأرض دون قيد ولا شرط، وردع العدوان أن كان في قطاع غزة أو في جنوب لبنان.

بقلم : حسين عطوي

حسين عطوي