كتاب وأراء

الميليشيات العربية جزء من المشكلة


عندما يتعدد وجود الميليشيات بوصفها قوات مسلحة غير نظامية، وينتشر في عدة مناطق عربية ساخنة، تصبح ظاهرة يتعين الوقوف عندها كثيرا باعتبارها واحدة من علامات المشهد العصيب المعاصر في المنطقة العربية. ومع أن الظاهرة لا تقتصر على الوضع العربي حيث شواهدها قائمة في مناطق أخرى من العالم، قديما وحديثا، إلا أن تعقيدات المشهد العربي أثارت حولها جدلا متواصلا حول أسبابها ومدى شرعيتها وما إذا كانت جزءا من حل الأزمات القائمة أم جزءا من المشكلة.
ما تشهده المنطقة العربية في الوقت المعاصر من انتشار لظاهرة الميليشيات لا علاقة له بغياب الدولة أو وجودها، وإنما بموجة الحروب الأهلية التي اندلعت هنا وهناك بسبب فشل الأنظمة السياسية التي تعرضت لهذه الحروب في تسوية الصراعات المذهبية والعرقية واللغوية. بينما بالمقابل من نجح في المهمة التاريخية استطاع النجاة من الحروب الأهلية وقطع الطريق على ظهور قوى مسلحة غير نظامية كالميليشيات تنازع السلطة القائمة شرعية الاستخدام المسلح للقوة.
إذا استثنينا ليبيا حيث انهارت تماما مجتمعا وحكما وغابت فيها الدولة كلية، فإن الوضع في العراق واليمن وحتى سوريا يؤكد ما سبق. فالعراق تمكن منذ عام 2003 من إقامة دولة بنظام حكم جديد، وحدث ذلك عبر الوسائل الديمقراطية المعروفة. ورغم الانتقادات الحادة التي وجهت للتركيبة الجديدة والتشكيك المستمر على مدى 13 عاما في صحة وقوة البناء الجديد للدولة، إلا أنه من حيث الشكل هناك دولة بالمؤسسات المعتادة وهناك جيش وشرطة عراقية. ومع ذلك لم يعرف العراق طعم الاستقرار والأمن، كما ظهرت الميليشيات من اللحظة الأولى التي تلت سقوط النظام القديم شيعية كانت أم سنية أم كردية. ومن اللحظة الأولى أيضا قاتل العراقيون أنفسهم في مجازر متبادلة. وفى اليمن كانت هناك دولة وحكومة تجسد سلطتها الشرعية. سقط نظام علي عبدالله صالح بفعل الثورة ولكن الدولة لم تسقط، بدليل أنها قادت حوارا وطنيا بين مختلف القوى السياسية امتد لأكثر من عام انتهى إلى وثيقة بجدول زمني لتحقيق التحول الديمقراطي وطرح شكلا جديدا للدولة بتحولها إلى دولة اتحادية. واستبشر الجميع خيرا بما جرى، وفجأة انقلب الكل على الكل وضاع كل ما تم الاتفاق عليه لسبب بسيط هو أن الحرب الأهلية جاهزة للاندلاع مع أي خلاف. ومع أن سوريا تختلف بعض الشيء، إلا أن هذا لا ينفى أن هناك دولة حتى وإن كانت هشة وان النظام القديم لم يسقط. وبرغم ذلك عاشت سوريا ولا تزال (5 سنوات) معالم وأجواء الحرب الأهلية شئنا أم أبينا، وإلا كيف نفسر حالة الاقتتال المتبادل بين السوريين التي وصلت إلى حد المأساة (المعارك الصفرية). وليس هناك من تفسير لهذه الحرب الدموية سوى أن هناك أسبابا دفينة فجرت الحرب الأهلية وأججت نيرانها على النحو السائد.
كان من الممكن أن تصبح الميليشيات جزءا من الحل، فهى ليست بدعة عربية ولا ظاهرة مكروهة من حيث المبدأ، لأن اللجوء إليها يكون ضروريا في بعض الأحيان كما تشير تجارب أخرى في العالم قديما وحديثا إذا ما واجهت السلطة الشرعية أزمة تكامل قومى نتجت عن اندلاع صراع دموي بين جماعتين أو أكثر لأسباب جهوية أو مذهبية أو عرقية أو لغوية، ولا تجد السلطة نفسها قادرة وحدها على مواجهة الموقف لأسباب لوجستية أو غير ذلك. وفى هذه الحالة غالبا ما يحدث نوع من التنسيق بين الطرفين تصبح بمقتضاه الميليشيات رديفا للقوات النظامية. وللحق فإن شيئا من هذا القبيل يحدث بين الحكومة العراقية وقوات الحشد الشعبي وكذلك مع قوات البشمركة ضمن عمليات تحرير الأنبار والموصل من تنظيم «داعش». ولكن مناخ الحرب الأهلية السائد في هذه المناطق الساخنة واستمراره بما في ذلك الوضع العراقى الراهن لا يجعل وجود الميليشيات جزءا من الحل بل جزءا من المشكلة.
بقلم : عبدالعاطي محمد

عبدالعاطي محمد