كتاب وأراء

نـجـمـــة .. تسـعــدنــا

يحكي العلامة السوري علي الطنطاوي، أنه شاهد يومًا ابنته قد أخذت أربعة أصناف من الطعام المنوع ووضعته في طبق كبير من النحاس.
فسألها: لمن هذا يا ابنتي؟
قالت: للحارس.
فقال: هاتِ صينية وأربعة صحون صغيرة، وملعقة نظيفة، وسكينًا وكأس ماء، وضعي كل نوع من الطعام في صحن، ثم ضعي ذلك كله في الصينية.
وأردف: إن تنسيق العطية للفقراء يسعدهم أكثر من العطية ذاتها.
فالطعام صدقة بالمال، بينما تنسيق الصينية لهم صدقة بالعاطفة، والحسنة من المؤن تملأ البطن، فيما العناية باللياقة في التقديم والاهتمام بمشاعر الفقير تملآن القلب بالكرامة.
وصب كل الطعام في إناء واحد يُذِلُّ الحارس ويُشْعِرَهُ أنه شحاذ متسول، مُنّ عليه ببقايا الطعام، فيما تنسيق الصينية يشعره أنه صديق عزيز أو ضيف كريم، وتلك الصدقة بالمادة أما هذه الصدقة بالروح وهي أعظم عند الله، وأكبر عند الفقير.
ويتابع الشيخ طنطاوي: «الكلمة الحلوة تباسط فيها الآخر، أبرد على كبده من العطية الجزيلة. فيا أيها المحسنون، أعطوا من نفوسكم، كما تعطون من أموالكم، لا تلقوها عليهم من فوق، فإن صرة الذهب إن وضعت في يد الفقير أغنته، وإن ألقيت على رأسه من عالٍ قتلته».
الغريب أنه قد نعتقد أن الناس تعامل فقط الفقير بإهمال وتمن فقط على المُعَدم بإعطائه من فضلات الطعام، فيما الغريب أن أعدادا لا حصر لها من الآباء والأمهات يطعمون أولادهم بالذل ويذيقونهم من صنوف المهانة والسباب والغلظة ما ينوء على الصغار حمله وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا أهكذا تنشئة.
كم يجرع بعض الأزواج شريكاتهم وأبناءهم من علقم الإذلال، فيشحون ماديًا وعاطفيًا، فيخبؤون عنهم الحلوى في خزانتهم ويقطرون تقطيرا، فإن جاعت الزوجة أو الأبناء وأخذوا شيئا من الحلوى، نعتهم الأب باللصوص.
لكم شاهدنا من أجنحة متكسرة تم تهشيمها من والد متسلط يحسب أنه يتصدق بالصرف على أهله.
ويعرف قاموس أوكسفورد الفساد على أنه: غياب النقاء الروحي والأخلاقي في التعامل. ويعرف الفاسد، إنه شخص صاحب سلطة يستطيع أن يملي من خلالها ما يريد، بممارسة كل أشكال الفساد والإفساد، والتلاعب بعقول من يتسلط عليهم ويتكسب شخصيًا حتى عن طريق إذلالهم. كما أن معنى كلمة فاسد في اللغة الإنجليزية
corrupt، حين تستعمل كصفة تعني شيئاً مكسوراً وأن أول من استعملها هو أرسطو. أما الفساد، فيعرف بـ«حكم اللصوص»، فالفاسدون مفسدون وكلما طالت فترة سلطتهم توسعت قدرتهم على ممارسة الفساد والإفساد، وتلاشت لديهم المفاهيم السامية عن الرعية والأبناء والحقوق. ويزداد الأمر سوءا حين يكون الفاسد المفسد صاحب صلاحيات متعددة، يستطيع من خلالها أن يملي أوامره على من اتبعوا نهجه.
ولن أنسى ما روته لي أخت فاضلة أنها ركبت يوما سيارة أجرة فبكت حينما سمعت سائق السيارة يرد على الهاتف فإذا بزوجته تخطره بأن حافظة نقودها قد سرقت، فمكث السائق يهدئ من روع زوجته ويحاول إضحاكها والتسرية عنها بـ«فداكي، المهم أنت بخير، لكن لا تبكين، وأرجوك لا تطبخي اليوم وسأحضر أنا الطعام».
سبب بكاء صديقتي أنها لم تلمس هكذا عفو أو حنان من زوجها العسير المتسلط الذي لا تجرؤ أن تصارحه بأي شيء ضاع منها أو سرق كونه يحاسب على أقل هفوة بقسوة رغم أنه أغنى بكثير من سائق التاكسي.
وإن كان من المنتقد أن نقدم الطعام لحارس العقار في إناء مهين لآدميتهم.. فما بالنا بمن يقدم لأبنائه الحياة كلها بشكل عسير ملؤه القسوة بحيث يتألمون لو شاهدوا يوما موقفا يكرم فيه إنسان أو يقدر بكلمة أو بنظرة، أو برسالة مفاداها «أنا احترمك وأقدر وجودك في حياتي».. أحد الممثلين يصف التقدير في العلاقات بأنه كالنجمة التي كان يمنحها إيانا المدرسون إن أجبنا بخط جميل، فكم كانت تلك النجمة تسعدنا أكثر من الدرجات النهائية، وكم كانت تضعنا في مصاف النجوم رغم أنها لم تكن سوى قطع ورق مفضضة.

داليا الحديدي