كتاب وأراء

ساق البامبو!

كنتُ أخفق، ليس قلبي الذي كان، بل جلدي وروحي، كل شيء بي كان يعيش حالة خفقان، يشبه رجفة عاشق. كنت أرتعش عندما قرأت سعود السنعوسي بين سطور روايته الحائزة على جائزة البوكر العالمية للرواية العربية. ليس على مستوى اللغة المائجة، الثائرة بالجمال والدقة في اختيار العبارة. اللغة التي تعرف كيف تصيب، وتدوش في ذات الوقت. والمستوى ملامستها للواقع، ملامسة ذكية، دونما مبالغة تستفز المشاعر الخليجية، أو تلميع يستهجنه المعايش البسيط. رواية ساق البامبو قطعة فنية تستحق أن توضع خلف زجاج متحف يومًا، يتحلق حولها الأجيال كما يفعل سائح مشغوف بما حدث. كل فصل أنهيه من الرواية كان خيالي متأججًا، من يليق بدور راشد؟ الكويتي الشاب في الثمانينات، ما بين قضايا المنطقة وهموم الناس وقتئذ، وصراع الهوية التي كان يعيشها الخليجيون، راشد الذي يمثل القفز الشجاع والمكبوت في آن، القفز على الأعراف والقيود القبلية والعرقية، قلبه الذي اخترق حدود اللغة والملامح وطموح أم راشد، من كان يليق بدور أصدقائه الرائعين بحق، الذين تشعر أنك كنت تعرفهم جيدًا، كنت معهم على الشاطئ حينما كان العود ينبعث ليستريح على الأفق ويدغدغ الأمواج والقلوب الخفيفة، ولا أخفّ من قلوب أصدقاء راشد. قلب أسماء الممثلين الخليجين في ذاكرتي، اخترت راشد وهند الناعمة ذات الروح الأليفة. وعيسى الكويتي الأسمر بالعينين الفلبينية. بصوت راشد وقلب جوزيفين.
في رمضان هذا العام، انتظرنا- أحسب أنني لستُ وحدي من انتظر- وعلى مستوى الخليج، عرض الدراما الكويتية التي تحمل اسم الرواية ذاته، إنه شيء مفرح بحق أن تتظافر الفنون معاً، أن تلعب الصورة في ميدان الصوت، وأن ترقص الكلمة في حلبة الرواية، وأن يلتفت صناع الدراما للمخزون الروائي الخليجي والعربي الضخم الذي يسكن رؤوس المثقفين، وخيالات عشاق الروايات، ووسائد المراهقات!
الفن الجميل هو ما يصل للاكتفاء الذوقي، وهو ما يحول فكرة إلى كلمة، وكلمة إلى قوس ألوان، إلى لوحة حركية شامخة الجمال. وفي النهاية الإبداع هو ما يقتنص العاديات ليصنع منها دهشة هائلة، لا يمكن أن يمحوها النسيان.
إنه لمن المفرح لي، ولكل مهتم بالفن والجمال والقيمة والتراث الثقافي، أن يرى هذه العودة الثرية للرواية، وهذا التعانق الحميم بين الدراما والرواية. ساق البامبو، أفراح القبة للراحل نجيب محفوظ، واحة الغروب لبهاء طاهر.
ولو كانت لي رسالة لمخرج ساق البامبو التي شاهدت منه حلقتين للآن. لقلت: عمل جميل غير أن اختيار الممثلين لم يكن موفقاً فنيًا، بحيث اختيار ممثلين أكبر سنًا من أبطال الرواية بعشرات السنين مثل دور راشد، أو شخصيات لم تتمكن من استيعاب دورها، ولم تتخلص من رتمها المعهود في أعمال سابقة مثل دور هند، سوى ذاك. فإنني بانتظار بقية الحلقات بكل شغف.

بقلم : كوثر الأربش

كوثر الأربش