كتاب وأراء

لماذا تراجع الرئيس الفرنسي؟

بالأمس القريب وبعد موجة من الاحتجاجات القوية التي شهدتها العاصمة الفرنسية باريس بسبب مظاهرات ما عرف بـ «السترات الصفراء» أعلن الرئيس الفرنسي عن تراجع الدولة عن رسوم الضرائب التي كانت قد أُعلنت على أسعار المحروقات. هذا التراجع فسره كثيرون بأنه انصياع لضغط الشارع خاصة بعد أن صرح رئيس الحكومة أكثر من مرة في وقت سابق بأن الزيادة لا تراجع عنها. بل إن رئيس الجمهورية قد ذهب إلى أبعد من التراجع عندما قرر الترفيع في الراتب الأدنى للباحثين عن عمل وغيرها من المنح التي يتوجب على أرباب العمل صرفها لصالح العمال. الثابت الأكيد اليوم هو أن تراجع الحكومة جاء أساسا بسبب الخوف من تمدد الاحتجاجات التي لم تخمد بعد وهو خوف يبرره انتشارها السريع وقدرتها على الإطاحة بالرئيس والحكومة دفعة واحدة. إن نسق تمدد الاحتجاجات والعنف الذي قوبلت به يؤكد أنها قد تخرج عن السيطرة وقد تتحول بسرعة إلى كرة من الثلج تسحق كل من يعترضها. لكن من جهة أخرى لم يكن أمام السلطات الفرنسية سوى التراجع خاصة بعد أن تحولت الاحتجاجات إلى ظاهرة أوروبية خطيرة. إن تراجع السلطات الفرنسية ليس دليلا على ضعف أو عجز بل هو موقف موضوعي إذا اعتبرنا الطريقة التي وصل بها ماكرون إلى السلطة. فهو يستمد سلطته من الانتخابات ومن الاختيار الشعبي الذي قد يطيح به في الانتخابات القادمة لذلك فإن تراجع الرئيس ليس دفاعا عن الشعب بل هو أساسا وقبل كل شيء دفاع عن مستقبله السياسي وهو كذلك دفاع عن المجموعة والقوى والبنى التي أوصلته إلى السلطة. أما في المنطقة العربية فإن الحاكم العربي لا يتراجع أمام أي ضغط شعبي بل يستعمل كل وسائل القمع والقتل من أجل البقاء في الحكم وهو أمر طبيعي إذا أخذنا في الاعتبار طريقة وصوله إلى السلطة. الحاكم العربي حاكم وصل إلى السلطة عبر طرق انقلابية عادة سواء كانت ناعمة أم عسكرية دامية وهو ما يجعله في حلّ من كل ارتباط شعبي أو جماهيري. ثم إن مطالب الشعب الفرنسي تختلف جذريا عن مطالب الشعوب العربية لمن يتحدث عن ربيع فرنسي.. فالمطالب الفرنسية تخص تحسين شروط الحرية في بلد ديمقراطي في حين كان الربيع العربي من أجل رفع واقع الاستبداد السياسي والفساد الاقتصادي والاحتقار الاجتماعي. إنّ استجابة الرئيس ماكرون هي استجابة لشروط اللعبة الديمقراطية وإنّ تعنت الحاكم العربي هي تكريس لواقع الاستبداد وتفعيل لشروط الدكتاتورية.
بقلم: محمد هنيد

محمد هنيد